Saturday, November 7, 2015

البطريق الامبراطور


يعيش البطريق الامبراطور دورة حياة مدهشة قل ما نجد لها مثيلا على الاطلاق. فهذا البطريق هو النوع الوحيد من جنس البطاريق الذي يتكاثر في منتصف الشتاء. واي شتاء هذا. انه شتاء انتارتكا الذي تهبط فيه درجات الحرارة الى السبعين تحت الصفر وتجتاز سرعة رياح عواصفه المئة والعشرين كيلومترا في الساعة. والاغرب من ذلك هو ان هذا الامبراطور يختار لمكان حضانته وتفريخه موقعا في اليابسة يبعد احيانا مسافة المئتي كيلومتر عن البحر. وكما هو معلوم فان البحر باسماكه هو مصدر قوت البطريق ومحل مائدته. وكما هو معلوم فان قارة انتارتكا بقسوة طقسها هي اقل حياة من البحر الميت واكثر قحلة من الصحراء الكبرى. إذاً كيف يقضي هذا الطائر فترة التوازج والتبييض والحضانة والتفريخ والتكبير التي تمتد ستة شهور دون ان يفنى من الجوع؟ انه يتناوب مع زوجه فتودع الانثى البيضة للذكر ليحضنها بينما تعود هي للبحر لتقتات ثم ترجع للسرب بعد شهرين بطانا ليأتي دور الذكر في التنطع مئة ميل او يزيد ذهابا ومثلها ايابا! وتتكرر هذه الرحلة ستة مرات في الموسم الواحد رواحا وعودة الى ان يحل ربيع انتارتكا في شهر ديسمبر حين يكبر الفراخ فيبدأون رحلتهم باتجاه البحر لاستكمال  هذه الدورة العجيبة.


لا ادري لماذا خطر في ذهني البطريق الامبراطور ودورة حياته الخارقة بينما انا واقف في صف تخليص جوازات المغادرين بمطار الخرطوم. كان الصف وقتها راكدا والتقدم زاحفا حيث ان شبكة حاسوب التخليص كانت معطلة حالها حال مكيفات هواء الصالة. بينما انا واقف اتكئ على قدم لبرهة ثم اترنح لالقي بوزني على الاخرى لبرهة اخرى سرح فكري في البطريق. كنت اتأمل في هذه الأثناء المغادرين الجاثمين في الصفوف الموازية وهم يلوحون بجوازاتهم وبطاقات صعودهم واستمارات مغادرتهم امام وجوههم ليحركوا الهواء الثقيل عله يلطف الجو. في ذلك اليوم، وبمحض الصدفة، كنت قد اضطررت ومن معي من المغادرين لتعبئة استمارة القادمين حيث انها كانت الاستمارة الوحيدة المتوفرة في صالة المغادرة. ربما كانت هذه هي نفس الصدفة التي اضطرتني ان اعبئ استمارة مغادرة في صالة القدوم عند وصولي للخرطوم قبلها بثمانية عشرة يوما! لماذا البطريق الامبراطور في تلك اللحظة؟ لماذا يا ترى؟


اغلب الظن انه كان هناك  ربط لا وعيي في جوف افكاري بين البطريق الامبراطور ونظرية داروين للتطور والسودان. ان نظرية داروين تقول بان الكائنات العضوية تتطور بتعاقب الاجيال لتتلاءم مع بيئاتها مستفيدة من خاصية الانتقاء الطبيعي. فالبطريق الامبراطور ربما كان يفرخ صغاره في نفس الموقع الجغرافي والتوقيت السنوي منذ ملايين السنين. وربما ان هذا الموقع الجغرافي كان على مرمى حجر من البحر الممتلئ بالاسماك، خصوصا في الشهور الدفيئة حين ينحسر الجليد، ولكن ربما انحسر البحر ابديا نتيجة تغيرات مناخية مرتبطة بانخفاض في نسبة غارات البيوت المحمية في الجو. وربما ارتفعت اليابسة نتيجة تدافع الالواح التكتونية وتعاركها بعضها ببعض. ولكن بما ان البطريق صغير العقل وضئيل الفكر فان غريزته وفطرته غلبت فهمه وذكاءه فبقي مخلصا للارث، ملحا على التقليد، مصرا على السنة. فماذا فعل الانتقاء الطبيعي والتطور الداروني للبطريق؟ لقد قتل التطور لحد الانقراض كل فرد يحمل صبغة وراثية تنتج ريشا خفيفا او طبقة شحم رقيقة او خلايا سريعة الحرق للسعرات بينما طغت الصبغات التي تروج للريش الغزير للوقاية من الرياح العاتية والشحم السميك للتقليل من فقد الحرارة والخلايا بطيئة الحرق لتوفير السعرات للحضانة الممتدة. ولو ان البطريق كان ذا مجهود فكري اعلى لما اجتهدت الطبيعة نيابة عنه.


عندما يكتسب جسم الانسان مناعة من الطفيليات التي تسبح في ماء الشرب فاننا نقول ان الطبيعة قد اجتهدت لتملا قصور الفكر عن تعقيم الماء. لقد شد انتباهي انه في وهج شمس العاصمة الخرطوم منتصف النهار عندما يتحول الاسفلت والتراب الذي يغطيه الى جمر حي تحت رماد طازج، فان جباه الرجال والنساء في هذا الجحيم تظل اقرب للجفاف منها للبلل. هل يا ترى الناس لا يعرقون ام ان الحر وانخفاض نسبة رطوبة الجو يؤديان الى تبخر العرق لحظة ندوبه من مسامه؟ام ان مسامات الجلد تنغلق لتقليل فقد السوائل وبالتالي الحفاظ على الكلى من الفشل المنتشر بصورة تفوق المعدلات العالمية؟ ولو ان الفكر كان قد اجتهد في تكييف الهواء في المساكن والاسواق والمؤسسات التعليمية ووسائل التنقل لما حيرنا السؤال عن تفاعل الطبيعة مع جلد الانسان ولما سرحنا مع فسيولوجيا المسامات واحصاءات الفشل الكلوي. اذكر انه في احد نهارات الخرطوم المستعرة رايت شخصا يصلي صلاة الظهر على بلاط مشتعل بطاقة حرارية كامنة عبأتها شمس الظهيرة بين ذرات الرخام على شكل ارتفاع في الطاقة المدارية للاكترونات التي تحوم داخله. ان الطبيعة حتما ولابد ان تتدخل في هذه الحالة لتقتل مجسات الحرارة ولتزيد من سماكة الجلد عند باطن القدمين والركبتين والكفين والجبهة وربما طرف الانف بحسب ما اذا كان مذهب ذلك المصلي يفتي بملامسة الانف للارض عند السجود ام لا.


ان الخلاصة هنا هي ان التطور هو سنة الحياة. ذلك لان المناخ يتغير فاذا لم تواكبه الكائنات العضوية بالتاقلم معه ماتت واندثرت. والتطور نوعان: داروني يفرضه الانتقاء الطبيعي، وفكري يصممه الذكاء وحسن التصرف. ان رجائي هو ان يبدا السودان في التطور فكريا لا التشبث بالحياة بطريقيا. ان مفارقة سنة البطريق تبدا باستغلال العقل الذي رزقنا به الله لغرض التساؤل والتحليل والاستنتاج والتجريب والاستفادة من تبعات التجريب. ان علينا ان نتساءل عن كل عادة ونتمعن في كل طقس ونستكشف حيثيات كل تقليد: ماذا ناكل وكيف ناكل، ماذا نشرب ومتى نشرب، لماذا نركب هذه ولم ليس تلك. لماذا نبني مساكنا هكذا وبهذه المواد دون الاخرى. كيف نزرع محصولا اوفر نتاجا واجود غذاءا وارخص كلفة. كيف نشيد مبنا اثبت اساسا واوفر طاقة والطف جوا وافضل تاقلما. لنكن شعبا مبدعا لا مقلدا، ولنكن جنسا شغوفا بالتحسين الدائم والسعي الابدي نحو الكمال دون الرضى بالنتائج الكائنة مهما كانت جودتها لان الذي لا يتطور فانه حتما سوف ينقرض.  

No comments:

Post a Comment