Monday, December 23, 2013

حزام الامان: مسؤولية وطنية

 
كنت قد عشت فترة من التمرد على ربط حزام الامان بنيته على اساس فكري يقول بان القوانين الملزمة بربط الحزام فيها تعدي سافر على حريتي الشخصية. فربطي للحزام او عدمه لا يضر ولا ينفع سواي انا وحدي ولا يؤثر على الراكبين معي او الراكبين في السيارات من حولي. فلماذا اذا تتدخل الدولة فيما لا يعنيها وتفرض علي وصايتها؟!
 
politickles.com
 
 وبقيت على هذا الحال سنة و بعضة شهور. ثم بعدها نشب جدل في وسائل الاعلام ودواوين العامة من الناس حول قانون سنته مدينة نيويورك تمنع به بيع المشروبات الغازية في اكواب تتعدى حجم ١٦ اوقية بدعوى ان المشروبات الغازية وما تحويه من سكريات تشكل خطرا على صحة المواطن. كانت حجة مناوئي القانون من الشركات ذات المصالح المادية والمواطنين المحبين للحرية والسكر هي ان القانون تعدي صريح على الحرية الشخصية للمواطن (كما في حزام الامان). اما مشرعوا القانون ومؤيدوه فرأوا ان تناول كميات كبيرة من المشروبات الغازية يؤدي بصورة مباشرة الى زيادة الامراض المرتبطة بالسمنة ابتداء بالسكري وانتهاءا بعلات القلب والشرايين. وان زيادة هذه الامراض يؤثر على الاصحاء بسبب زيادة الانفاق العام على الرعاية الصحية وزيادة تكلفة التامين الصحي لجميع شرائح المجتمع بلا استثناء.

توقفت عند هذا الجدال كثيرا ووجدت ان هناك تشابها شديدا بين قوانين حزام الامان وقوانين الكوكاكولا، فعند حدوث اصابة مرورية، تترتب على المجتمع عواقب جمة اولها ضرر معنوي يصيب القريبين من اهل واحباب، وثانيها ضرر مادي يصيب القريبين اولا ثم يمتد ليصيب البعيدين من خلال ارتفاع فاتورة العلاج الوطنية والتي تستقطع من جميع المواطنين اما عن طريق زيادة في الضرائب او نقص في الخدمات او عن طريق ارتفاع في تكلفة التامينات. 
Safeminors.com

ان حق اهلي وبني وطني علي ان احافظ على صحتي، كما ان حقي عليهم ان يحافظوا على صحتهم، ولذلك وجب علينا بحكم الدين والقانون والوطنية ان نربط احزمتنا وان نحرص على ان نذكر ابناءنا وازواجنا واهلينا واخواننا في الانسانية ان يربطوا احزمتهم...وان يقللوا من شرب الكولا. 
 
عثمان بكري موسى

Sunday, May 5, 2013

مكافحة الارهاب فرض عين على كل مسلم/ه



١. ان الواقع يقول بان السواد الاعظم من ضحايا الارهاب هم شباب ونساء واطفال مسلمون، ففي نفس اليوم الذي قتل فيه ثلاثة امريكيين في بوسطن قتل اكثر من ثلاثين عراقي على يد ارهابيين. وبالتالي فان الاحرى بالمسلمين ان يكونوا قادة الحرب على الارهاب بدل ان يقادوا اليه مكرهين. 

٢. هنالك مذهب يقول بان دول الغرب تستحق ما ياتيها من ارهاب فهي تحصد ما زرعته نتيجه سياساتها العدوانية في الشرق الاوسط. ولكن الخلل في هذا المنطق انه لا يرى الرابط القوي بين الارهاب ضد الغرب ومواطنيه وبين الارهاب ضد المسلمين، فكلا الارهابين ينطلقان من مبدا ان الغاية تبرر الوسيلة ويتشاركان فلسفة التكفير واستخدام العنف والاكراه لايصال الرسائل. ان التماسنا العذر للارهاب ضد مواطني الغرب هو بمثابة ضوء اخضر للارهاب ضد المسلمين فكلاهما وجهان لعملة واحدة بل اقول ان الارهاب ضد المسلمين ظهر بعدما تعاطفنا مع الارهاب ضد المدنيين من غير المسلمين. 

٣. قد يسال سائل: ماذا يكون العمل والمسلمون ضعفاء، حيث ان استهداف المدنيين هو السبيل الوحيد لرد الاعتبار واسماع صوت الضعفاء والمظلومين للعالم؟ والاجابة على هذا السؤال نجدها في سنة رسولنا الكريم عندما قال: ..فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه..الى اخر الحديث. ويدلل هذا الحديث على ان المنكر لا يجوز تغييره بمنكر مثله، فالاستطاعة هنا ليست بالضرورة المقدرة على الفعل وانما صحة الفعل وتوافقه مع تعاليم الدين ومبادئه. ان الرد على الظلم الذي سببه الضعف والجهل يكون بالتقوي بالعلم والنهوض بالاقتصاد والتنمية وبناء القدرات. اما الارهاب فلا يؤدي الا الى ارهاب مضاد اشد فتكا يدمر الحاضر والمستقبل. 

٤. ان هنالك من يقول بان هناك ارهابيين لا ينتمون للاسلام وبالتالي فان الارهاب ليس حكرا على الاسلام وانه مرض يصيب جميع الفئات والمجموعات. والرد على هذا القول هو ان ندع ما لا يهمنا الى ما يهمنا. ان المجتمع الاسلامي يقوم على التكافل والترابط بين انسجته فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، وان كل ارهابي مسلم جاء من جوف هذا المجتمع فكان الارهابي ابنا واخا وتلميذا وصديقا  وزميلا. وبالتالي فان انحراف الارهابي هو فشل للاب والاخ والمعلم والصديق والزميل. ان على كل فرد في المجتمع ان يهتم بمن حوله حتى لا يتغلغل الارهاب من بين الشقوق والفرج. 

٥. لقد الهانا البحث عن الاسباب الخارجية للارهاب فجهلنا او تجاهلنا اسبابه الداخلية. والمهم ان الاسباب الداخلية هي ما نقدر ان نغيره بايدينا. اما التوازنات الدولية والسياسات العالمية فهذه حلها مستقبلي يبدا بالتفاتنا للنهوض بالعلم وحفظ الحقوق، فكيف نطالب الاخرين بحقوقنا عندما نهضم نحن حقوق بعضنا البعض؟! فلنخرج في مظاهرات هادرة تندد بالارهاب وتدعو الى حراك مجتمعي للقضاء عليه من جذوره لاطرافه.

Wednesday, April 3, 2013

العلاقة بين الشباب والاحزاب: سياسة سد الانف


لن اناور واحاور كثيرا فالموضوع اهم من ان ينمق بالبلاغة والسجع. وخلاصة الكلام ان الاغلب الاعم من الشباب السوداني اليوم "بطنه طامه" من الاحزاب السياسية. اسبابهم كثيرة ومقنعة ولكن ساحاول ان اقنعهم بان الانخراط في العمل السياسي هو شر لا بد منه بل وفرض عين على كل شاب وشابة خصوصا في هذه الفتره الحرجة. اوجز الاسباب في نقاط حتى نخلص الى النتيجة:

١. ان الحقيقة المرة ان تعدد الاحزاب هو ركن من اركان الديمقراطية، فالاصل في الديمقراطية البحته ان يكون كل مواطن حزب منفرد وله مقعد خاص في مجلس الشعب ولكن لتيسير العملية ابتكر نظام التمثيل فقلت الاحزاب من ملايين الى عشرات .

٢. ان التغيير في السودان سينتج عن احد طريقين لا ثالث لهما: اما صندوق الاقتراع او ميادين الانتفاضة. اما السيناريو الاول فلن يتحقق الا بواسطة احزاب منظمة تملك موارد بشرية ذات دماء جديدة. واما السيناريو الثاني فلا يحتاج لاحزاب لوقوعه ولكن تاكد ان الحزب الاكثر تنظيما وجاهزية قبل الثورة هو من سيحكم البلد لفترة تدوم وتدوم وتدوم بعد الثورة. والمختصر المفيد هنا ان في كلا الحالين فان صلاح البلد يبدا بصلاح الاحزاب.


٣. قانون نيوتن للحركة يقول بان الجسم الساكن يبقى ساكنا والمتحرك متحركا ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته. ما يريد نيوتن ان يقوله هو ان الاحزاب السودانية لن ينصلح حالها مالم يغيرها عامل جديد. ولكن هذا العامل الجديد يجب ان يتوغل في داخل المنظومة حتى يستطيع التاثير على الجسم ومثال ذلك ان الانتبيوتك* لا يعالج التهاب الحلق حتى يدخل في شرايين الجسم. والعبرة هنا ان سد الانف لا يغير رائحة المكان ولكن تشمير السواعد للتنظيف والتعقيم يحل الاشكال جذريا.

٤-هناك طريقين للانخراط في العمل السياسي من اجل التمكن من الساحة السياسية وسحبها من تحت بساط الفئات منتهية الصلاحية: الطريق الاول يكون بالتاسيس لاحزاب جديدة، اي البداية "من الاول تاني". اما الطريق الثاني فهو التغلغل افقيا وراسيا في الاحزاب القائمة وتغييرها من قواعدها الى رؤوسها. وكلا الطريقين في نظري سليم ما دام الهدف والتخطيط سليمان. ولا اظن ان يكون هناك اشكال في توفر الموارد البشرية اذا توفرت النية والتكتيك.  

٥-قد يبدو لك ان مايطرح هنا هو صعب المنال، والحق انك على صواب. هو فعلا صعب المنال. وحتى لو كان هذا من الممكن فانك تقول في نفسك انه سيحتاج من الوقت سنونا وعقود. ولكن اسال نفسك: هل هناك شيئ من الاشياء العظيمة من حولك ما لم يكن يوما حلما بعيد المنال؟ ان الاشياء العظيمة تحتاج لجهد لا يعرف الياس ولأيدي لا تعترف بالمستحيل. واسال نفسك عن الوقت الذي ذهب من عمر الوطن سنونا وعقودا ينتظر ضربة بداية العمل في مشروعه، هل ندعه ينتظر لجيل اخر بعدنا؟ هل نخذله كما خذلته الاجيال التي سبقتنا؟ سؤال اطرحه عليك فارجوا ان تجيب عليه لنفسك. 

تَحزَّب، ليس بالمعنى السلبي الذي يدعو الى التبعية والولاء الاعمى، ولكن تَحزّب بالمساهمة الايجابية واثراء الافكار والموارد الحزبية فلا ديمقراطية قوية بلا احزاب قوية.  

*هذا المقال ليس مرجعا طبيا كما ان صاحبه غير مسؤول عن اي استخدام خاطئ لمضاد حيوي ينتج منه اي ضرر مادي او معنوي. 

Saturday, March 16, 2013

المال والبنون


قد افهم لماذا يسرق من يسرق، فغريزة البقاء تسبق فطرة حسن الخلق. فاذا ضمن الانسان بقاءه، التفت الى تحسين وضع بقاءه. ومثال ذلك ان من لايملك طعاما فانه يبحث عن كسرة خبز. اما الذي عنده كسرة خبز فيريد مرقة خضار يغمس فيها الكسرة. ولكن مرقة الخضار ليست كمرقة اللحم فالدسم يضفي نكهة ويمنح الاحساس بالشبع. فاذا ضمن الواحد الخبز الطري الطازج واللحم الهش السمين بحث عن الفرشة المريحة ذات الحشوة السميكة والبطانة المنجدة فالنوم على هذه اهنأ واعمق من النوم على الفرشة الصلبة الرديئة. وبعد ان يتمكن الواحد من مأكله وفرشته، فانه يلتفت الى ملبسه وهيئته، فاللباس هو عنوان الانسان ومبتدأ تقييم العامة لشخصه، فان كانت هيئته محترمه احترمه الناس ولو لحين، ولو كانت هيئته خلاف ذلك ترفع عنه الذليل قبل العزيز. وبعد اللبس الحسن تأتي الدار الحسنة ومن ثم السيارة الفارهه ويعقب كل هذه كنتيجة حتمية الزوجة جميلة الوجه رفيعة القوام بنت الحسب والنسب. فمن لم ينل كل هذا بالحلال فان الشيطان يزين له ان يناله بالحرام. وبما ان بعض ابن آدم اضعف من بعض فان الضعفاء سينزلقون على منحدر الخطيئة الذي اعلاه غريزة البقاء واسفله الحب في الزيادة. لذلك افهم لماذا يسرق من يسرق.

وقد افهم لماذا يزني من يزني. فغريزة بقاء النوع لا تعلو عليها الا غريزة بقاء الفرد. فاذا بقي الفرد هم على ابقاء النوع. وقد سهّل الخالق آلية التناسل وجعلها بديهية بداهة الاكل والشرب فهي لا تتطلب ذكاء او حنكة ولا تشترط خبرة او مؤهلا علميا لجني ثمرها. وبخلاف غيرها من الغرائز فان غريزة النكاح تؤتى لذاتها او لمقصدها-اي التناسل، او لكلا الغرضين معا. فهي اذا بذلك فطرتين في فطرة واحدة، فيها الشق الذي يلبي حوجة الفرد في التواصل والتوادد والتراحم، وفيها الشق الذي يلبي حاجة الجماعة في البقاء والنمو والديمومة. ولكن رغم ان الخالق يسرها واسس لها كل ما يدفعها من اعضاء وهرمونات، قامت المجتمعات بتقويضها وتكبيلها بخلاف ما شرعت الاديان فجعلت الزواج امرا عسيرا صعب المنال وطوقته بالطقوس والتقاليد الشاقة المرهقة للبدن والذهن والجيب. وبين الترغيب الرباني والترهيب المجتمعي يسود الارباك وتعم الفوضى. اما الارباك فمرده السير على حبل الموازنة بين متطلبات الروح ورغبات الجسد، واما الفوضى فهي نتيجة الضبابية التي تعكر الفكر بعد ان يتشبع بهرمونات التستوسترن والاستروجين والبروجستيرون. لكل هذا افهم لماذا يزني من يزني. 

لكن ما لا افهمه: لماذا يتعدى البعض على دور الاخرين في شبابيك الخدمات الحكومية؟ 

Sunday, March 10, 2013

نقطة نظام حول عملية اسقاط النظام


ادى اسقاط النظام في دول الربيع العربي الى نتائج متباينة في المدى القصير، حيث حظيت تونس بافضل هذه النتائج بينما حصدت سوريا نتائج كارثية. ان على الشعوب التواقة للتغيير ان تدرس هذه التجارب وتشخص نتائجها على المديين القريب والمتوسط حتى تستطيع ان تكرر الايجابيات وتتفادى السلبيات التي افرزتها هذه التجارب. وبما ان عبارة اسقاط النظام كانت هي شعار الربيع العربي ومختصر اهدافه فانه من الواجب الوقوف عندها وفهم ما يقصد بها واستيعاب ما لا يقصد بها.

ما هو النظام
ان لكلمة النظام معنيين متوازيين ولكن ليسا متطابقين. اما المعنى الاول فهو الالية والطريقة التي تؤدى بها عملية معينة (System, Regime). ومن ذلك نقول نظام تشغيل الحاسوب او الهاتف الذكي. اما المعنى الثاني فهو ما ينتج من تطبيق للقوانين والضوابط بحيث تسود الطاعة ويعم الخضوع (Order). ومثال هذين المعنيين في الدولة الحديثة هو ان المجلس التشريعي يسن القوانين والشرائع التي تبين نظام الدولة (System) وتشرح تفاصيله، ومن ثم تقوم الشرطة بفرض هذه القوانين بالقوة حتى يعم الاستقرار والنظام (Order). 

من هو النظام
ان كلا المعنيين السابقين ليسا اكثر من صورة تجريدية للنظام لا توضح معالمه الكمية ولا ترسم الحد الفاصل  في العلاقة بين الفئات التي تشرع والفئات التي تخضع  للتشريع. فمن الممكن جدا ان ثقافة وطبائع الفئات التي تطيع هي التي تشكل الافكار والمبادئ التي تنطلق منها الجهات التي تشرع. بل ان هنالك ادلة قاطعة على ان سلوك اولياء الامر في مؤسسات دولة ما يتطابق مع سلوك الاباء والامهات في منازلهم ومع سلوك المعلمين في مدارسهم وجامعاتهم. والسؤال المهم هنا هو عن اتجاه سهم التاثير بين الحاكم والمحكوم: هل يشير للاعلى ام للاسفل؟ سوف يقول المتفائلون ان سلوك الحاكم ينعكس على المحكوم، وسوف يقول المتشائمون عكس ذلك. والصواب في رايي ان للسهم اتجاهين اقواهما تاثيرا هو ثقافة المحكوم على الحاكم، فالحاكم ولد وتربى بين ثنايا المجتمع في يوم من الايام.  

نظري ام تقني؟
ولو اتفقنا انه لابد لشيئ ما ان يسقط حتى ينصلح الحال فانه وجب علينا ان نمعن مليّا في الخيارات المتاحة داخل خيار اسقاط النظام. ان أحد هذه الخيارات يتعلق بالمبدأ الذي يحفز اسقاط النظام: هل المحفز لاسقاط النظام مبدأ ايديولوجي يدعو لمسح وطمس فكرة النظام القديم وكل ما التصق بها من مؤسسات وافراد مؤمنين بها ومنافقين لها؟ ام ان مبدا اسقاط النظام يرتكز على هدف التغيير للافضل وان اسقاط النظام هو السبيل والوسيلة للوصول لهدف التغيير؟ بمعنى آخر: هل اسقاط النظام هو الغاية ام الوسيلة؟ إن تَبَني اسقاط النظام كغاية في اي من مراحل العملية يُحتّم وقوع افعال ترمي الى تطهير الدولة من بقايا النظام ولكنها بالمقابل تعطل فرص الوطن في التقدم نحو مستقبل افضل. واحد اسباب هذا التعطيل هو ان خوف البعض من المحاسبة لصلتهم بالنظام القديم يؤدي بهم الى مُمانعة التغيير والى التآمر ضده. وخلاصة القول هنا هو ان الخلط بين الغاية والوسيلة يؤدي الى تضارب الاولويات وخفوت صوت الحلول العملية امام اصوات المطالب النظرية. 

ماذا يسقط وماذا يُرمم؟
 لقد كان راى بعض الشعوب التي اسقطت انظمتها هو ان جميع مستويات الحكم والادارة فاسدة حتى النخاع ومن ثم استنتجوا ان كلا وجهي عملة النظام (الُمشرّع والمُنفّذ) لا بد ان يسقطا. ولكن غاب عن بال هؤلاء وسط زحمة الاحداث والتهاب المشاعر، غاب عنهم نقطتين محوريتين: اما النقطة الاولى فهي ان الجهات المنفذة رغم فسادها وبطشها فانها الحاجز الأساسي بين الفوضى والنظام بغض النظر عن اعوجاج هذا النظام، وان مقابل كل سجين رأي فان هنالك مئات السجناء من العابثين بسلامة وبممتلكات الوطن والمواطنين. واما النقطة الثانية فهي ان الجهات المنفذة تمد يدها بقدر ما شرّع لها المُشرّعون، فان صلح التشريع صلحت وان فسد فسدت.

ما لايُدرك جُلّه لا يُترك كُلّه
من المهم جدا ادراك ان تاثير المحكوم على المُشرّع يزداد قوة كلما اقترب تطبيق الديمقراطية من الكمال، فالديمقراطية البحتة تقول بان لكل شخص صوت في كل تشريعات الدولة. ومن هذا المنطلق فان اعداد المواطن لتحمل مسؤولية الديمقراطية هو باهمية اقامة الديمقراطية ذاتها. لقد ادّت الرغبة غير المساومة في اسقاط النظام الى تكاسل البعض عن العمل في المجال الطوعي والخيري لرفع وعي المواطن وتثقيفه بواجباته وحقوقه وتحفيزه للسؤال حول وضع الوطن الحالي والمشاركة في الاجابة على اسئلة المستقبل. إن معالجة طرفي التاثير من الاعلى والاسفل بالتوازي والتوازن هي الضمان الافضل لديمومة التغيير واسقاط النظام (System) اسقاطا لا يسقط منه النظام (Order). 

Saturday, February 23, 2013

عن السودان ونصف كوبه الملآن


عدوى التشاؤم
سعدت سعادة بالغة عندما علمت بخبر افتتاح الرئيس عمر البشير لاول مصفاة لتكرير الذهب في تاريخ السودان. قادتني سعادتي الفطرية ذلك اليوم الى تداول الخبر مع اصدقاء لي علّنا نحتفل معا بهذا الانجاز الذي من شانه احداث نقلة نوعية في صناعة الذهب في السودان والدفع بالاقتصاد السوداني كما فعل البترول في العقد الاول من القرن. فوجئت حينها بان الخبر كان في عيون اصدقائي مصيبة وطامّة توجب الحزن والأسى.

وبعد بحث وتدقيق، علمت ان اصدقائي قرئوا تعليقات على الفيسبوك وتغريدات على تويتر ترمي الى ان هذه المصفاة هي وسيلة بعض افراد النظام للاستئثار بثروات الوطن. فلما قرا اصدقائي هذه التعليقات القادحة وطالعوا الكاركاتيرات الساخرة تحوّل في منظورهم التبر الى تراب وصار ضوء الشمعة نارا حارقة وجب اطفائها في التو واللحظة! ان التشاؤم والاحباط ينتقلان كما تنتقل الامراض المستوطنة بين العموم، واهم اعراضها سلبية التفكير واهم نتائجها القعود والتقاعس.

التغيير بدافع الكراهية ام الحب؟
على ما يبدوا ان الاعلام البديل اليوم (مدونات ومجموعات تواصل اجتماعي) قد راهن على قوة الكراهية كمحفز لحث الشباب على احداث التغيير. والحجة هنا ان الكراهية تفجر الطاقات الكامنة باتجاه زعزعة الحكومات ومقارعة رجال الامن في الشوارع والميادين. ولاجل شحن الصدور لجأ هذا الاعلام الى رصد العيوب ووضعها تحت العدسات المكبرة وبالمقابل حوّر الجيد والحسن وبخسّه تحت العدسات المُصغرة-أي صار الوجه الثاني من العملة التي وجهُها الأول هو الاعلام الرسمي. والنتيجة ان المواطن قد خلط بين قدح النظام وبين قدح الوطن فصار الاثنان واحدا فكره المواطن وطنه بدون قصد ومن ثم عزف الشاب عن وطنه فانعكست النتيجة وانقلب السحر على الساحر.

ولو ان هؤلاء استخدموا قوة حب الوطن لوجدوا ان الغيرة على الوطن والاعتزاز به هي انبل حافز للذود عنه والنيل ممن اعتدى عليه وعلى خيراته. ان قوة الكراهية هي بطبيعتها قوة سالبة تولد الرغبة في الهدم والتدمير بينما يولد الحب الرغبة في البناء والتعمير.

حكمة نصف الكوب
ان الذي يرى النصف الفارغ من الكوب فقط سوف ينتهي الى الموت من العطش. والحكمة هنا ان صاحب النظرة المتشائمة لا يبصر فرص النمو والتقدم الكامنة  تحت قليل من الغبار وبالتالي ينتهي الى تدهور واضمحلال. واما الحكيم فانه يرى في الفشل اول عتبة على سلم النجاح. لقد استشرت ثقافة الكوب الفارغ وطغت على لغة الخطاب في المنتديات السودانية فصار المجتمع مُحبَطا (بفتح الباء) وأدمَن الكوابيس وعزف عن الاحلام، وهنا يقع مكمن الخطر حيث ان الاحلام هي مهد الانجاز فليس هناك انجاز الاّ وكان حلما في البداية. لقد قطعت عهدا على نفسي ان لا اكتب الا عن الجمال والحب والامل في مستقبلنا. اما خلاف ذلك فكُتّابه كثيرون. 

Saturday, January 19, 2013

هيا بنا ندوّن


عزيزي القارئ: اكتب اليك اليوم من اجل غرض واحد، لاقنعك بان تكتب. لا يهمني ماذا تكتب وبأي لغة تكتب. ولا يهمني إن كتبت شعرا او نثرا او قصة. ولا يعنيني إن كان المغزى سياسيا او روحانيا او فلسفيا. ولا يضيرني ان كان المكتوب سردا لرتيب يومك او مدحا لجمال حبيبك او قدحا لرداءة شارع منزلك. عزيزتي القارئة: ان للكتابة فوائد عظيمة تعود على الكاتب لو علمها ما وضع القلم عن يده، كما ان للكتابة فوائد جمّه تعود على المجتمع والامّة لا تغفلها الا الفئة الجاهلة بخيرها وصلاحها. في هذه السطور اسرد بعض هذه الفوائد من باب العد وليس الحصر.

للذكرى والتاريخ
من المعلوم ان أهم مصادر تأريخ الاحداث العظام هي الكتابات التي انتجها اشخاص مغمورون انحصرت عظمتهم في محيطهم الزماني والمكاني، فالحروب تُوثّق برسائل الجنود الى اهلهم واحبابهم من الصفوف الامامية، والمجاعات والابتلاءات تخلّد بمشاهدات من عاصروها لحظة بلحظة فالتقطوا صورها بأقلامهم وارْشفوا تفاصيلها في طيّات مدوناتهم. ورغم ان الصورة الثابتة او المتحركة اليوم تعدل الف كلمة فان الصورة بدون تعليق وتعقيب هي عرضة للتاويل والتفسير فيرى احدهم في الصورة دموع حزن واسى بينما يرى الاخر دموع فرح وسرور، ولولا الكلمات لفقدت الصورة محتواها. ولكن لماذا نوثق؟ ذلك لان الحضارة الانسانية قد بنيت على تراكم العلوم والخبرات. وان من اكبر مشكلاتنا في بلداننا النامية هي ضعف توثيقنا لاخفاقاتنا ونجاحاتنا فما نفتأ ان نكرر الاخطاء مرة بعد مرة بدون كلل او ملل، وبالمقابل فان اي تجربة نجاح تموت مع جيلها قبل ان تصل خلطة النجاح السرية الى يد الاجيال القادمة. فلنكتب للذكرى والتاريخ.

الكلمة مرآة العقل
ان الواحد منا اذا اراد مراجعة هيئته وشكله نظر الى المرآة ليعدّل المعوّج وليكمّل الناقص من بهائه وحسنه. وكذلك الكلمة المكتوبة هي انعكاس العقل وتجسيد الفكر، فاذا اراد احدنا تقييم مواقفه وارائه فما عليه الا ان يخطها بالحبر على الورق ثم يقرأها لنفسه فاذا بالعقل كانه ينظر الى انعكساه في المرآة فيتسنى له بذلك اختبار منطقه ومراجعة مبتدأ حججه والتحري لعلل قناعاته. ثم من بعد ذلك فإن الانسان الذكي التوّاق للإحسان والكمال سينقد ذاته نقدا بناءا وينصحها في اتجاه فكر افضل ورؤية ابعد واعمق. عزيزي القارئ: لقد بدات اكتب املا في ان تُغيّر كتاباتي الدنيا، فاذا بها كتاباتي تغير افكاري.  فلنكتب لنُنمي عقولنا.

 مدونتي البوم نموّي الفكري
عندما يعود الواحد منا الى ارشيف كتاباته، منشورة كانت او خاصة، فانه يعجب لتطور شخصيته التي تعكسها كلماته لكل فترة من فترات حياته، فيجد الانسان المتوسط منا انه مرّ بمراحل السذاجة الممزوجة بالجهل في اول عقد وبضع سنين، ومن ثم يبدا الجهل في الاضمحلال بينما تبقى السذاجة بل وتشتد احيانا في فترة المراهقة والسنون الاولى من العقد الثاني. ثم بعد ذلك يطغى العلم على الجهل وتقضي تجربة الحياة على السذاجة فيدرك الانسان ان الدنيا هي تنازلات تتخللها مكاسب وان التغيير لا يحدث في لحظة ايّا كانت الاليات كما انّ الطفل لا يولد إلا في تسع شهور ولو عمل عليه الف طبيب. فلندوّن لنوثّق مراحل نمو فكرنا. 

الجداول تصنع الانهار
ان كل جسم كبير هو نتيجة اتحاد عدد كبير من الاجسام الصغيرة. ان بلادنا بحاجة الى فكرة كبيرة تختزل في طياتها تجارب مئات السنين وتحمل في جوفها مدخلات واطروحات الملايين من الناس من داخل الوطن وخارجه وتحوي في وجدانها قصص الشعوب وحكايات الاجيال، وتستمد رؤاها من اساطير صعود الحضارات ومن حيثيات افولها. ان فكرة بهذا الحجم لن تتحقق إلاّ اذا كتب كل من يستطيع حمل القلم ولن تتبلور الا اذا تفكّر كل من له عقل وقلب، ولن تنطلق الا اذا حلم كل من له رؤية ونظر ثاقب. وإن الفكرة والحلم بحاجة الى من يخطهما بقلمه والى من يجسدهما بسواعده. فلنكتب لندلي بدلونا في بحر فكرة نهوضنا. 

فلنكتب كتابا او رسالة او تدوينة او خاطرة او مقالا او تعليقا. فلنكتب عشان الحاجات تبقى كويسة.