Saturday, March 31, 2012

إعلان وظيفة: مطلوب بديل

زبدة الكلام
"البديل منو؟" سؤال إستعصت إجابته عليّ  وعلى المنادين بالتغيير. لكن ربما إستطعنا الوصول للجواب ضِمنيّاً عن طريق الإجابة على سؤال آخر.


مقدّمه
بعد بزوغ ربيع العرب، عاد إلى حلقات النقاش سؤالٌ كان قد طَرح أيّام الإنتخابات السودانيّة العامّة في عام 2010. فكان كلّما أسهب مُعارضوا الحزب الحاكم في وصف عيوب المؤتمر الوطني وذكر مساوئه وسرد إخفاقاته، جاءهم الرّد بسيط الطرح وبليغ التعبير:"طيّب البديل منو؟". عندها ينتهي اللسان عن الكلام ويبدأ العقل في التدبّر. لقد كُنتُ حريصاً طوال العامين الماضيين على رصد إنتاجات المُفكرين والأدباء والمدونيين بحثاً عن جوابٍ شافي لهذه المُعضلة.

التفاؤل والإنكار
لو أجرينا مسحاً للإجابات التي طُرِحَت فسنجد أن الأغلب الأعم من محاولات الإجابه على سؤالنا يتأرجح بين التفاؤل والإنكار. أمّا المتفائلون فمنطقهم قائم على مقولة: تفاءلوا بالخير تجدوه. ولعل أفضل ما يمثل هذا الإتّجاه هو العبارة العاميّه السائده: "إنتو بس أطلعوا الشارع والبديل حايجي". وأما المنكرون فيرون أنه من المستحيل أن لا يوجد شخص واحد على الأقل يصلح أن يكون بديلاً من بين كل سكان السودان البالغ عددهم 35 مليونا. ويؤسفني أن أقول أن الفكرين السابق واللاحق لم يرضيا فضولي فتركيبة السؤال تقتضي أن يتعدّى جوابه المشاعر والأحاسيس إلى صِفات وأسماء لأشخاص ومؤسسات بعينها.

مُحاولة "ترتار"
إن من أجمل المُحاولات التي رَصَدتُها كانت إجابة على شكل رسوم متحرّكه - فيلم كرتون - من إنتاج مجموعة "ترتار سوداني". خلُص الفيلم إلى أن البديل يكمن في 1.حريّة التعبير 2. قضاء مُستقل 3. إنتخابات نزيهه 4. الشعب. وإنتهى المقطع بالإشارة إلى أن الديمقراطيّة ليست إفراد وإنما هي مؤسّسات. كان إنطباعي عن المقطع أنه مبادرة خلّاقه فنيّاً وأدبيّاً. ولكن عاب هذه المحاولة لبس لغويّ بسيط. لو عدنا إلى سؤالنا وإستبدلنا كلمة "منو" بكلمة "شنو" حتى يصبح السؤال "شنو البديل؟" فستكون إجابة "ترتار" هي الإقرب للصواب. وعلى كل حال فإن جواب هذا السؤال الأخير هو في إعتقادي مُتّفق عليه، فلا خلاف على أنّ العدل والشفافيّة وتداول السُلطة هم بدائل الظلم والفساد والتعسّف. وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال: لو كان منطق "ترتار" هو الجواب الصحيح للسؤال الخاطئ، فهل من المُحتمل أن يكون عجزنا عن الإجابه على السؤال الصحيح مردّه قصورُ عن الإستيعاب الصحيح لكل مكونات السؤال؟

فهم السؤال نصف الإجابة
سوف أستعينُ ببعض نظريّات الرياضيّات البحتة  لصالح ترسيخ مبدأ حل السؤال. قد يصعب في بعض الأحيان حل مسائل التفاضُل والتكامل إذا كانت المُعادلات المُراد حلّها شديدة التعقيد. وفي هذه الحالة، يلجأ الرياضيّون إلى إستخدام ما يُسمّى بالتضمين  والتعويض. تهدف فكرة التضمين والتعويض بالأساس إلى تفكيك المعادلة الأصليّه إلى مُعادلات "ضمنيّه" بسيطه سهلة الحل و من ثم تعويض هذه الحلول الجزئيّة في المعادلة الأم للوصول إلى النتيجة النهائية...أو بالعربي البسيط: فرّق تسُد.

س = س1 + س2
لو أمعنّا التفكّر في سؤالنا "البديل منو؟" لوجدنا أنه للإجابة على هذا السؤال، لا بد أوّلاً من الإجابة على سؤالين تضمّنهما السؤال الأصلي. أوّل السؤالين يقول: ما هي مواصفات البديل؟ وهذا سؤالٌ مِحوريّ لأنه إذا لم تُعرف مواصفات البديل إستحالت تسميته. أما السؤال الثاني فيقول: كيف يُصنع البديل؟ ولو إفترضنا أن البديل يصنع عنوة ولا يُخلق بمحض الصدفة كما سنبيّن لاحقاٌ، فإننا إن لم نعلم كيف يُصنع البديل فإن هذا سيعني بالضرورة إنعدام البديل. ولو علِمنا نظريّاً كيف يُخلق البديل فهل سنرى من حولنا تطبيقاً عمليّاً لهذا العِلم بحيث يُمكن إستنتاج إمكانيّة وجود بديل؟

البديل وعِلم الإحتمالات
كنا قد أسلفنا أن هناك فكرين سائدين في مجمل محاولات الإجابة على سؤال البديل وهما التفاؤل والإنكار. يؤمن أصحاب فرضيّة الإنكار بأن البديل "يولد" ولادة طبيعيّة - أو قيصريّة! - فيصبح البديلُ بديلاً بمحض خروجه من رحم أمّه و بمحض سِعته العقليّة التي تحكمها قوانين عِلم الوراثة. وتقول هذه الفرضيّة بأن إحتمال ولادة بديل في أي بلدٍ تساوي إحتمال ولادة بديل في أي بلدٍ آخر، وبالتالي فإن نسبة البدائل مقابل عدد السكان  في السودان ينبغي بالضرورة أن تضاهي نسبة البدائل في "أوروبا والدول المُتقدّمة". و في إعتقادي أن قصور هذه الفرضيّة يكمن في تهميشها الدور المفصليّ للبيئة والثقافة في تفريخ البدائل.

الخط الأحمر الرفيع
هنالك فرق دقيق في الشكل وعظيم في المُحتوى بين التفاؤل والتوهّم، وهما في ذلك كمثل الماء والسراب. فالتّفاؤل يُبنى على قواعد الدراسة والتخطيط السليم والعمل الجاد، ومن ثمّ يكون التوكّل على الله والتفاؤل بالخير. أمّا التوهّم فهو رجاء أن يحدث شئ من لا شئ، وتمنّي مُعجزة قد تكون أو قد لا تكون، وهذا يبدو لي أن يكون أقربَ إلى التواكل منه إلى التوكّل. و كما رسمنا الخط الرفيع بين التفاؤل والتوهّم يمكننا أيضاً أن نرسم خطاً مُشابها بين الإنكار ورفض الواقع.

خير البِرّ عاجله
يبدوا لي مما أسلفنا أن وجود البديل مشروطٌ بخلق البديل، وأن خلق البديل يُعطلّه توهّم وجود البديل وإنكار دور المجتمع في صناعته. يترتب على ذلك أنه كلما سارعنا بقبول واقع فقر البدائل كلّمنا سارعنا بالبدأ في صُنعها و قرّبنا ساعة نضجها. حينئذن، يصبح الجواب على سؤال البديل بديهيّاً. أمّا السؤالين الضِمنيّين عن مواصفات البديل وكيفيّة صناعته ففيهما حديثٌ آخر.

ملحوظه: يمكنكم مشاهدة الفيلم الكرتوني عن سؤال البديل على صفحة ترتار في يوتيوب عن طريق الضغظ  هنا. نقول لأصحاب العمل: وفّقكم الله وإلى الأمام.

متعلقات:
إعلان وظيفة ٢: مواصفات البديل
إعلان وظيفة ٣: كيف يصنع البديل 

Wednesday, March 28, 2012

حوّاشة الرئيس وهليكوبتر المواطن

عوّدنا ولاةُ أمرنا في السودان أن يطلّوا علينا بين الحين والآخر بتصريحات أقرب ما يمكن وصفها به أنها من شر البليّةِ المُضحك. كان من مِثل هذا ما صرّح به السيّد رئيس الجمهوريّه عمر البشير في معرض ردّه على منتقدي أداء الحكومة في معالجة إشكالات الإقتصاد و تردي ظروف المعيشة، فخاطبهم متسائلاً:"المويه قطعت؟ الكهربا قطعت؟ الناس ما لقت الرغيف أو البنزين أو السّكر؟" و زاد:"الأزمه وينها و قاعده وين؟". وفي سياقٍ آخر حث السيد الرئيس الشباب على العمل بالزراعة وعلّل قائلاً:"حواشتي بتدخِّل لي أضعاف ماهية رئاسة الجمهورية".


إن حسن الظن بنوايا الآخرين هو من حسن الخُلُق. قال تعالى: إن بعض الظن إثم. و من هذا المُنطلق فإنه يشقّ علينا التشكيك بنوايا السيّد الرئيس فلا يعلم النوايا إلى الله. ولكن في المُقابل فإنه يجوز لنا أن نجتهد في تعليل تصريحاته على ضوء نظريّة الخطأ الإساسي للإسناد (Fundamental Attribution Error). تقول هذه النظريّه بأنه للحُكم على فعل شخص ما - بغرض التقويم وليس القدح - ينغي أن يُؤخذ بعين الإعتبار البيئة المحيطة بصاحب الفعل والظروف القائمة وقت وقوع الفعل..أو باللغه العربيّة: إذا عُرِف السبب بطُل العجب. 


لقد جلس السيّد الرئيس على كرسيّ الحُكم مدّة ثلاثةٍ وعشرون عاماً، أي أنّ ذكرياته عن حقبةِ ما قبل السلطة لا تتعدّى أن تكون صوراً باهته قد نال الزمن من تفاصيلها. أمّا العقدين الأخيرين فقد قضاهُما السيّد الرئيس بين القصر الجمهوريّ و رئاسة مجلس الوزراء وقصور الضيافة في الخارج وبيوت الوزراء وصالونات وجاهات المجتمع. و يتوصّل بين هذا وذلك وأولئك وتلك بالفارهات من سيّارات وطائرات الرئاسه عموديّة كانت أو نفّاثه. وليس بالضرورة أن يكون في هذا إشكال فالواقع لا يرجّح أن يمتطي رئيس الجمهوريّه ركشةً أو أن ينام على حصيرِ يابس. ولكن الإشكال في طول المدّة التي يقضيها ولي الأمر في هذا المناخ المعزول.


ولو حاولنا الربط بين تصريحات الرئيس و بين محيطه لرأينا مكمن العِلّة بوضوح. لا يشك أحد في ديمومة التيّار الكهربائي في القصر الجمهوريّ كما لا أنه لا خلاف حول جودة الماء الذي يشربه قاطنوا المساكن الرئاسيّه، ولم نسمع أن رحلةً رئاسيّه قد ألغيت لأن "الريّس ما عنده حق بنزين الهليكوبتر". بإعتقادي أن إستغراب الرئيس وجود أزمة إقتصاديّة مردّه أن الواقع الذي يعيشه هو غريب عن واقع السواد الأعظم الذي يعيش خارج جدران مؤسسة الرئاسة.


ليس في ما أسلفت جديد، فلقد أدركت كثير من الدول منذ زمن بعيد أن هناك آثار سالبة تترتب على منح السلطه لشخص أو جماعه لآماد طويله، و لذلك حُدّدت عدد دورات الرئاسه من أجل تعزيز المُؤسسيّه وتحجيم التباعُد بين وليّ الأمر وواقع الرعيّة في الشارع. وربما يكون إعلان السيّد الرئيس إعتزاله السياسه بعد إنتهاء مدّته الحاليّه خطوّه في الإتّجاه السليم، إلّا أن عامين آخرين من إغراق المواطن بالكهرباء المُستدامه الرخيصه و المياه الصافيّه قد يؤديّان الى خراب طبع الناس!   

Saturday, March 24, 2012

معاً من أجل وطن خالي من طناجر الضغط



قبل بضعة أيّام إنفجرت في مطبخنا طنجرة ضغط، أو بالسوداني حلّة بريستو، مما أدّى إلى أصابة زوجتي رباب بحروق من الدرجة الثالثه في مناطق البطن والرجل نتيجةً لتطاير محتويات الوعاء على مدى دائره وترها متر ونصف المتر تقريباً. كانت إبنتي سارة، ذات الثلاثة سنون، كانت متواجده في المطبخ لحظة وقوع الحادث ولكن لحسن حظّي وحظّها أنها لم تصب بأذاً جسدي غير أن الحدث أصابها بشئٍ من الهلع والذعر أرجو أن يتكفّل الوقت بمحو أثرهما من ذاكرتها النضِرة.

حوادث طناجر الضغط غالباً ما تتسبب في حروق من الدرجة الثالثة.  مصدر الصورة:  www.inforehab.com

ثم علمت لاحقاً في نفس ذلك اليوم من شقيقة زوجتي، وهي طبيبةُ امتياز، أنها إستقبلت في غرفة الحوادث شابّين أتيا بحروق بليغة في الوجه والجسد جرّاء إنفجار مشابه في مطبخهما عندما كانا يحضران طبخة "القطر قام". أعادت هاتان الحادثتان إلى ذهني حادثةً مشابهه وقعت قبل حوالي خمسة عشر عاماً حينما إنفرجت في مطبخنا حلّة بريستو مليئه بالفول. في ذلك اليوم لطف بنا القدر فكان أسوأ ما حدث يومها أن خلت طاولة العشاء من أكلتي المُفضّله: فول مصلّح.

لو نظرنا إلى فِكرة حلّة البريستو من ناحية تقنيّه، لوجدنا أنها في حقيقة الأمر قنبلة عناصرها ضغط عالي يوازي ضعف الضغط الجوي بالإضافة إلى بخار وسوائل ساخنة تصل حرارتهما إلى 150 درجة مئويّة. ونظراً لوخامة العواقب التي تنجم عن إنفجار طنجرة الضغط، فقد عزمت على أن أسخّر إمكاناتي وطاقاتي لتوعية و تثقيف المجتمع حتى يتم القضاء على حوادث وإصابات البريستو. إليكم هذه النصائح والإرشادات للإستخدام الآمن:


- إسأل نفسك: هل تبرِّر الفائدة المرجوّه من حلّة البريستو المخاطر المحتلمة على أسرتك؟ هناك وسائل شتّى قد تغني عن طنجرة الضغط و منها إستخدام الوعاء الكهربائي للطبخ البطئ (Slow Cooker).

الوعاء الكهربائي للطبخ البطئ : تكلفته توازي
تكلفة طنجرة الضغط ويرشّد إستهلاك الطاقه. 
- إن كان لابد من لا ليس منه بد: تحقق قبل كل إستخدام من سلامة الهيكل المعدنيّ للوعاء و الغطاء بحثاً عن آثار شقوق أو تآكل.

- تحقّق من حالة آليّة تنظيم الضغط ومن خلوّ مجرى تنفيس الضغط من أيّة معوقات قد تؤدي إلى إرتفاع الضغط داخل الإناء فوق المستويات الآمنه للتشغيل.

- إمنع الأطفال من التواجد في منطقة تشغيل حلّة الضغط. كما يُنصح أيضاً بِحَث البالغين على تفادي الإقتراب من الطنجرة بقدر الإمكان بغرض تقليل إحتملات الإصابة في حالة وقوع حادث إنفجار أو تنفيس غير مُقنّن.

- يُستحب أن يطّلع كل البالغين في الأسرة وبصفة دوريّه على تعليمات الإسعافات الإوليّه للحروق والإصابات. الرابط التالي يحوي تعليمات إسعاف الحروق.  http://firstaid.webmd.com/tc/burns-home-treatment

- عند شراء طنجرة ضغط جديدة، إحرص على إختيار ماركة معروفة السمعة وتأكد من أن المنتج مطابق لمواصفات الجودة والسلامة في بلدك.


- ساهم في توعيّة أسرتك و المحيطين بك فكلّكم راعي و كلّكم مسؤول عن رعيّته.

عثمان بكري موسى





  

Wednesday, March 21, 2012

من الثورات الى الخرطوم: رحلة البحث عن الحقيقه


هذه خاطره قديمه ادخلتها مفكرتي الشخصيه في يوليو 2010 عندما كان محمد بوعزيزي حيا يرزق....لكن ربما فكرتها ما زالت حاضره.

إعتَدُت كلّ صباحٍ أن أحادث زوجتي لتطلعني على الجديد من أخبارها وأحوال ابنتي ساره. ثم إعتدت ان اصغيّ غير ممانعٍ الى بعض شكاويها وتحفظاتها فلها حق الشكوى وعليّ واجب الإستماع و المؤازره. في هذا الصباح حدثتني عن ما عانته هي وأختها داليا في صفوف تسجيل جامعة الخرطوم. فبعد أن خرجن بسيّارتهّن من منزل ذويهّن في الثورة ٢١ ليُزاحمن الحافلات و يسابقن الهايسات ويراوغن الركشات في طرق امدرمان الضيقه ثمّ في شوارع الخرطوم الفتّاكه، وصلن الى حرم جامعة الخرطوم وقد مضى من الزمن ثلاثة ارباع الساعه. وقفت داليا في صفّ دفع الرسوم عند الساعه العاشره تماماً وكان امامها وخلفها جمعٌ غفير اثار الارض وأقام غُبارها. صارت الساعة الى الواحدة ظهراً ولم تزل داليا تبارح مكانها في انتظار الفَرَج عندما جاء الفَرَج بأن أطلّت عليهم موظفةٌ تعلمهم بأن ينتشروا وأن: تعالوا الساعه عشره بكره!

ليس الغرض أن أسرد قصّةً تُشابه في المعنى والمغزى الملايين من مثيلاتها في بلدي. لكّن ما أغرى قلمي هو رد فعل الطّلاب. فما كان منهم إلا أنّ اظهروا قليلاً من التضجر وكثيراً من الرضوخ للأمر الواقع. حينها أدركت أنْ علّة بلدي ليست في موظفة التسجيل المقصره كما انها ليست في شرطي المرور الانتهازي ولا في المسؤول المرتشي. أكثَرنا في لوم الحكومات والادارات فتونّسنا في المجالس وأمَتْنا قلوبنا بِقصِّ الطرائف والنوادر عن الفساد وسوء الخدمات. وأقللنا في المطالبة الجادة بحقوق الإنسان في العيش الكريم. علّمنا التاريخ أن الحضارات تنهض على أكتاف رجالٍ ونساء تصبّبت جباههم عرقاَ وذرفت أعينهم دمعاً ودماً. فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا. قال تعالى: إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم.

أمّا الأُختان فقد كتب الله لهنّ أن يزاحمن و يسابقن ويراوغن إلى ما شاء الله . وأمّا أنا فسأظلّ أعايِنُ وأطالعُ عن بعد حتى يقضيّ الله أمراً كان مفعولاً!

عثمان بكري موسى 

Monday, March 19, 2012

الحجاب...هويّه أم سلوك؟





زبدة الكلام: تصنيف الحجاب كهويّه خطأ كبير يحمل عواقب سالبة.


سأحاول في هذه السطور طرح عناصر فكريّة ربّما تمهّد الطريق نحو إجابات معقولة لهذا السؤال. لو ألقينا نظرة سريعة الى نص السؤال لوجدنا أنه يحمل ثلاث مصطلحات وجب التوقف عندها حتّى تتضح الخيوط التي تربط بعضها ببعض. هذه المصطلحات هي الهويّة، السّلوك، والحجاب.


1. أمّا الهويه فهي وصف أصل الشيء وتعريف ماهيّته. والهويّة لا ترتبط بعقائد الفرد أو خصاله محمودةً كانت أو مذمومة، فمحتويات بطاقة الهويّه الشخصيّه من إسم و نوع و جنسّيه و فصيلة دم كلها صفات لا تعطي أي مؤشر أو تقييم لطباع الشخص أو ميوله أو إعتقاداته.


2. وأمّا السلوك فهو مجموعة المناهج والتطبيقات التي تؤدي، سواء بقصد أو بغير قصد،  لترسيخ قيمه أو ثقافه أو إعتقاد. والسؤال هنا يكون:هل يشمل تعريف السلوك العبادات بما فيها الحجاب؟ لم أجد في بحثي ما يلمح إلى أن تكون الإجابه بالنفي.


3. أمّا الحجاب بمعناه المعاصر فهو مصطلح  وجد لتسمية هيئة زي معيّنه يجب للمرأة المسلمة أن تراعيها. وحاله في ذلك حال النقاب. و بينما إختلف علماء الأمة حول هيئته وشروط وجوبه، أجمعوا على أصالة مبدأه بما لا يدع مجالاً للشك. 


4. هل الحجاب هويّة؟ من البديهيّ جداً أن نعرِّف الشخص الذي يرتدي الجلّابيّه السودانيه بأنه سوداني فالجنسيّه هويّه وبالتالي من المعقول جدّاً أن نصف الجلّابيّه السودانيه بأنّها هويّه في حد ذاتها أو على أقل تقدير أنها سلوك تعريفي تُستخلص منه الهويّه. لو أسقطنا هذا المنطق على معضلة الحجاب، هل يقودنا هذا تِلقائياً إلى إستنتاج أن الحجاب هو أيضاً هويّه لأنه يقود إلى إستنتاج الهويّه الإسلاميه؟ ولو سلّمنا لصحّة هذا الفِكر من باب الجدال، فإن سؤالاً آخر سيطرح نفسه: هل الإسلام هويّه؟ في إعتقادي الشخصي أن الإسلام ليس هويّه، بل وهو مضاد الهويّه. ودليل هذا الرأي من القرآن قوله تعالى: يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم فالنوع و العرق و النسب كلها هويّات و لكن وضّحت الآيه أن الهويّه ليس لها وزن في معيار الاسلام وأن الإعتقاد والسلوك المؤدّي إليه هما أساس التمييز. وأمّا دليل كلامي من السنّه قوله عليه الصلاة والسلام: بني الاسلام على خمس. وبما أن الهويّه غير مشروطه بالسلوك فإن الحديث ينفي أن يكون الإسلام هويّه وإنما هو إعتقاد قائم على تفعيل سلوكيات (أو عبادات) تأتي على صاحبها بنفع قريب ملموس وبعيد مرجو. وبما أن الإسلام ليس هوّيه فإن إسقاط الجلّابيّه على الحجاب باطل.


5. ما هو الإشكال في تصنيف الحجاب كهويّه؟ إن تصنيف الحجاب كهويّه يؤدّي حتماً إلى فك الإرتباط بين الحجاب وبين مقاصده. فليس الغرض من الحجاب تصنيف المحجّبه على أنها من فريق أو قوم المحجّبات، وإنما الهدف هو تهذيب الغرائز وتطويعها لحماية الفرد والمجتمع. ورأينا نحن بأم أعيننا أننا لما صنّفنا الحجاب (لا شعوريّاً) على أنه هويّه أُختُزِل الحجاب في قطعة قماش قد تستر الجسد أحياناً وقد لاتستره أحياناً أخرى، ولكنها في جميع الأحيان لا تستر سوء الطباع.


ملحوظه: هذا المقال مستوحى من مقال بعنوان “؟Freedom” نشر على مدوّنة “Life From Reems Perspective


ملحوظه مهمه: ليس الغرض من هذا المقال اصدار فتوى أو التعليق على موقف الشرع أو المؤسسه الفقهيّه من الحجاب فهذا له أهله. كانت النيّه التأمّل في الحجاب كظاهره إجتماعيّه و كسلوك شخصي.


أمّا ما ورد في تعليقات القراء (ولهم جزيل الشكر على إثراء النقاش) في تأكيد أن الحجاب يتعدّى السلوك إلى العباده، فنقول أنه من زاويه أكاديميه بحته أن تعريف السلوك العام يشمل العبادات. أمّا من ناحيه فقهيّه فأقول: الله أعلم. 


في ما يتعلق بالفرق بين الايمان و الاسلام وأيّهما سلوك وأيّهما هويّه فهذا قد يتعدّى مجال هذا المقال ومبتغاه.


عثمان بكري موسى

Friday, March 9, 2012

السودان والثورة: حوار بين قلبٍ شجاع و عقلٍ متأني


أضاف ربيع العرب خياراً لم يكن متاحاً للمواطن العربي ضمن الإجابات المحتملة لمشكلاته التي تبدأ بالقهر والإستبداد ولا تنتهي بالفساد وإنعدام الفرص. دار في السودان حوارٌ بين قلبٍ شجاع وعقلٍ متأني عن الثوره: معناها ومغزاها، وعن إسقاط النضام: إستحقاقاته وشروطه، وعن التغيير: منهاجه وأهدافه.
إبتدأ القلب الشجاع الحديث قائلاً: إعلم أيها العقلُ أن التغيير قادمٌ سواء أشئنا أو أبينا، فالتغيّر سُنّة الحياة والتبدّل هو الثابت الوحيد في معادلة الأحداث. وينبني على ذلك أن رفض التغيير ومقاومته هما نشوزٌ عن طبيعة الأشياء وإنحيازٌ إلى الطرف الخاسر من التاريخ.
تأمل العقل في ما سمع ثم قال: تيَقّن عزيزي القلب أن قناعتي بوجوبِ التغيير لا تشوبها شائبه، و ليس الخلاف في هذا. إنما الخلاف في وسائل التغيير والطرقِ الموصلةِ إليه. لو كنت تريد إدراك التغيير عن طريقِ تدوير دولاب الحظِ ورجاء أن يستقر سهمهُ على أحسن مما كان عليه، فهذا قِمارٌ محلّه برامجُ المسابقاتِ ونقاط بيع اليانصيب. إن مصير الأمة أجَلُّ من أن يُترك للحظ أن يرفعه أو يحُطّه.
قال القلب: لقد بلغ الحال مبلغاً لاتطاق معه حياه. وضاق على الناس عيشهم حتى أُكرِهوا على أكل الحرام فأحلّه الله لهم، وضعفت الأمة حتى صارت الوحدة طاردة، وهُمِّش الضعفاء حتى غدت الحرب جاذبة فتمزّقت أطراف الوطن، واشتهت الأنفس الخبر الحسن فلم تسمع إلا ما يُحزن ويُغِم. إن الجوع يعطّل التفكير السليم ويسلب العقل إبداعه وإلهامه. ولهذا كله وجب التّحرك في التو واللحظه.
قال العقل: لكل حالٍ سئ حالٌ أنكى منه، والشر درجات كما أن نار جهنّم درجات. وأذكر أن أهل الصومال لمّا أرادوا إسقاط نظامٍ فاسد، صعدوا من أسفل بئرٍ عميق ليسقطوا في غياهب بئرٍ أعمق و أشدّ حُلكه. ذلك لأنهم لم يعدوا العدّة و لم يؤسسوا فكرياً و معنوياً لملأ الفراغ ودفع التغيير في الإتجاه المرجو.
قال القلب: ليس من العدل أن نذكر مثل الصومال دون أمثال تونس ومصر وليبيا واليمن. لقد أثبت التونسيّون بياتاً وعملاً أن الثورة العفوية تكون في أغلب الأحيان الدواء الناجع والجواب القاطع لمعضلات الظلم والفساد والفشل. وأمّا مصر وليبيا واليمن فنصيبهم لن يقل توفيقاً عن نصيب تونس بإذن الله.
قال العقل: لو سلّمنا أن مثال الصومال مُجحفٌ ومتطرِّف وأنه إحتمالٌ بعيد الوقوع، فإن مثل تونس، الذي هو ضد مثل الصومال، هو أيضاً بعيدٌ عن واقع السودان. فتونس كانت منذ ما قبل الثوره تتمتّع بمعدلات تنميةٍ بشريّةٍ مرتفعه، وفيها من الكوادر البشريةِ ما يكفي لملأ فراغ ما بعد الثورة. كما أن المجتمع التونسي مجتمع مدنيٌّ متجانس. أمّا السودان فمشكلاته لا تبدأ بمعدلات الأمّية المرتفعه و لا تنتهي بالشروخ القبلية والعرقية في النسيج الإجتماعيّ. إن حاضر السودان اليوم يرسم صورة واضحة عن المصير الذي ستؤول إليه ثورة غير مؤسسه فيه. وأذكّرك بأحداث عامي 64 و 84.
قال القلب: لو إفترضنا أن بعض المحاولات قد فشلت في الماضي، هل يضطرّنا هذا إلى الرضوخ في الحاضر والمستقبل؟ إن فشل الثورة في الأمس لا يعيبني اليوم ولا يعيب الثورة كمبدأ ولكن يعيبُ الذين قاموا عليها والذين فرّطوا فيها ، فلا تزِرُ وازِرة وزر أخرى. وبالتالي فإن إخفاق من كان قبلي لا يجب أن يثنيني عن السّعي لتصحيح الخطأ و تقويم المَيلان. ثُم إن لكل مقامٍ مقال ولكل زمانٍ مِنهاج. إن القُعود لن يغيّر الأوضاع، وأحتجّ لكلامي هذا بقانون نيوتن الأول للحركة الذي يقول بأن الجسم الساكن يبقى ساكناً ما لم تؤثِّر عليه قوة خارجية تغيّر وضعه.
قال العقل: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين. إن معنى هذا الأثر أن الإنسان لا يسلّم للفشل ولكن يأخذ منه الحكمة والعبرة فينهض بعده أقوى وأذكى. لقد كان في فشل الثورات السابقة من الدروس والعِبر ما يملأ رفوف المكتبات ويرضي عقول طالبي العلم والحكمة. وإن من السذاجة والرُعونة أن يهمل الواحد منا هذه الخبرات ثُمّ يتسلح بغيرها من الحماس المفرط والوطنيّة العمياء.
قال القلب: لو نظرنا إلى مصر وليبيا واليمن لرأينا أن الشعب أسقط النظام بمحض الحماس الإرتجاليّ فبذل دماء الشباب ودموع الأمهات في سبيل التّحرُّر. فما كان إلا وأن إندحرت أعتى أجهزة الأمن وأشدّها شراسة فانهارت وتبعثرت كأن لم تكون، فتحوّل بذلك الموت إلى حياة والتضحية إلى مكسب وإستعاد الإنسان مع النصر ثقته في نفسه وأسقط عن ظهره حمل الخوف والإذعان لكي يعود شجاعاً كريماً أمام نفسه وأمام الناس.
قال العقل: الحق يقال أن إنتصار الشعوب على جلّاديها فيه ما فيه من إلهام للمشاعر ورفعٍ للهمم. لكن إسقاط النظام هو في معناه الأعمق إسقاط المجتمع لشرور نفسه ورفع قيم الخير وتعزيزها فيه. إن الأنظمة السياسية هي في أغلب الأحيان مرآة تعكس حال المجتمع وبيئته. ففساد النظام الحاكم وقصوره هما عرض من أعراض مرض المجتمع، وبالتالي فإن إسقاط النظام السِياسي دون الإنقلاب على آفات المجتمع لن يعدوا أن يكون مسكّناً وقتياً يزول مفعوله عند جفاف دموع نشوة الإنتصار.
قال القلب: إن الحديث أيسر من الفعل، وإن التخطيط والتكتيك أهون من التطبيق والتنفيذ. يقدح حِجّتك أمران. أولّهما أن المجتمعات ترفض وتمانع إصلاح نفسها ومفارقة ما إلتصق بها من سوء الطباع والعادات. كما أنك تعلم كما أعلم أن الواحد مِنّا إذا أعمَل عقله لنقد الفاسد من مُسلّمات مجتمعه نبذه المجتمع وتبرأ منه. وبالمقابل فإن من اليسير نسبيّاً إسقاط رمز نظام أو بعض رموز نظام ومن ثمّ رفع رايات النصر ولو كان هذا النصر مؤقّتاَ أو زائفاً.
قال العقل: إعلم أيّها القلب أن كل إنجازٍ عظيم لا يتأتّى إلا ببذل وقتٍ وجهدٍ عظيمين. وإن الجنوح إلى الحل السهل السريع لن يجني إلّا الإحباط والشك في المدى البعيد. وتذكّر أن النيّة والإجتهاد هما بيد الإنسان وملك إرادته. وأمّا عاقبة الأمور ومآلها فهي بيد الله وحده. فالإعتقاد الصحيح في نظري أن التغيير عملٌ شامل يبدأ من الجذور ومن ثمّ يمتدّ ليغذّي الفروع، وأن التغيير مثله كمثل البناء يبدأ من قواعد منيعة راسخة في الأرض.
قال القلب: وأمّا المأخذ الثاني على كلامك كونه أكاديميّ السرد فلسفي المحتوى هلاميّ المصطلحات، فلا نعلم المقصود بالجذور والقواعد والبناء فيما يخصّ موضوع النقاش. إن الحديث الفضفاض لا يسمن من جوع عندما يحين وقت التخطيط والتصميم والتنفيذ.
قال العقل: نقصد بالجذور عناصر المجتمع الناشطة والتي تتمثّل في منظمات المجتمع المدنّي وأصوات العدالة الإجتماعيّة ومحركوا العمل التوعوي والخيري. هذه الشريحة شُبّهت بالجذور لأنها المُغذّي للأجيال القادمة من قادة وجنود، ومِدادها فكر الديموقراطيّة ومقاصد الشريعة السامية التي تهدف في الأساس إلى حفظ النفس والعقل والأمن والحريّات ونشر العدل و حفظ حقوق الاقليات وتقوية النسيج الإجتماعيّ. وأما القواعد فهي كلية المجتمع التي تقوم على الشجاعة الأدبيّة وتقدير الفكر وإحترام الرأي الآخر وإعمال العِلم فوق العاطفة وميول النفس. وأمّا البناء فهو ثمرة الإعداد الجيّد والتخطيط السليم.
قال القلب: وماذا عن عيون النظام وجواسيسه؟ وماذا عن وزارات الإعلام التي تحجب كل من يريد إعلام الناس بما ينفعهم؟ ثمّ ماذا عن هيئات الرقابة التي تضرب بيدٍ من حديد كل من سوّلت له نفسه أن ينطق بكلمةِ حق؟ كيف يكون التثقيف والتعليم والسجون تعجّ بكل من أراد العمل لصالح أهله و ناسه؟
قال العقل: هذا كلامٌ صحيح لا ينكره إّلا مُكابر، ولكنه ينظر للماضي والحاضر فقط ولا يدرك المستقبل. لو نظرت إلى الأفق فستجد أن قيم النهوض بالمجتمع وتغييره لن تتناطح مع النظام لتسقطه وقتيّاً وجزئيّاً، ولكنّها ستتوغّل في أعضاءه وتحل محلّه نواةً بنواة وذرّةً بذّره وخليّةً بخليّه حتّى تستهلكه أبديّاً وكلّياً. لو عمل كل وليّ أمر على تقويم عهدته من الأجيال القادمة في البيت أو المدرسة أو الحي أو مرفق العمل الطوعي فإن النتيجة الحتميّة هي إحداثُ عملية إحلال مستدامه غير قابله للتعطيل.
قال القلب: اللهم أرنا الحق حقاُ وارزقنا إتّباعه.
قال العقل: آمين يا رب العالمين.