Sunday, April 29, 2012

السودان الجديد وأسئلته الصعبة



لن تُعبّر الكلمات عن مدى سعادتي هذه الأيّام بالحِراك الذهني الذي يجوب أركان النقاش على تويتر وفيسبوك ومثيلتيهما من مواقع التواصل الإجتماعي. حيثُ يتفرّع النقاش ويتشعّب إلى محاولات فهم أسباب تأخُّر الوطن و بحث وسائل تقدُّمِه، وإلى تشخيص أمراض المُجتمع وتصميم علاجاتها، وإلى حصر سلبيات العُنف المُسلّح و تشكيل فكر العمل المدنّي لخَلق جيلٍ "بديل"، وإلى كيفيّة العزل بين حُب الوطن وبُغض الحُكومات. ووسط هذه الحوارات البنّاءة، تُطلّ بعض الأسئلة برأسِها مُستعصيةً على الإجابة لكونها تحمل مُكوّنات مُعضلة البيضة والدجاجة. وإنّ أبلغ ما يمكن أن أصِف به عقلي أمام هذه الأسئلة هو بيت شعرٍ لأحد حُكماء ميكانيكا السيارات قال فيه: راسي كَرَنْك مُعضِّي لا بفِكّه صعود لا شاي!


قصور حكومي أم خِصلة إجتماعيّة؟
والقصور هنا يُقصد به كل ما من شأنه تعطيل نمو الوطن وتقدمّه، ويشمل هذا المُصطلح التقصير في التخطيط الإستراتيجي و التخطيط الفنّي والتصميم والتنفيذ والتشغيل والصِيانة. ولو توقفنا عند هذا التفصيل فإن العقل الصريح سوف يجد أن مُكوّنات القصور الحُكومي هذه هي سِمَة أصيلة وثقافة شائعة في أغلب عناصر المُجتمع السُودانّي. أقول هذا حبّاً وإشفاقاً لا قدحاً وإصغاراً لأهلي ودمي، وكما أنّ فينا مِن جميل الخِصال ما يجلب الفخر والإعتزاز، فإن نقد الذات والتأمُّل في عيوبها من أجل التصحيح لا يعود عليها إلّا بالتوفيق والسداد. لكن بالمُقابل -كما يقول فيصل القاسم- أليس في لُبّ واجبات القادة وأصحاب الأمر العَملُ على بثِّ ثقافةِ الكمالِ المِهنيّ في مؤسساتهم ليصير الأداء الحُكومي معياراُ للجودة والإتقان ومِثالاً تَحتذي به كل عناصر المُجتمع؟ ولكن بالمُقابل الآخر: أليس هؤلاء القادة وأصحاب الأمر هم بالأساس أبناءُ المُجتمع وإنتاجُ ثقافته؟ وسؤال البيضة والدجاجة هنا يكون: أيهما يأتي أوّلاً..الحُكومة الراشدة أم المُجتع الراشِد؟!


الفساد المالي ثقافة أم حوجة؟
لقد كان الإقتصادُ السوداني منذ ما بعد الإستقلال وحتّى قبل ثورة الإنقاذ إقتصاداً بدائيا يأكل فيه الناس مما يزرعون في حوّاشاتهم ويحلِبون مما يرعون في زرائبهم ويشربون مما يغرفون من نيلهم. ولم يكن المال أساسا للحياة الكريمة فالدقيق والزيت والسكّر كانوا يوزّعون في مغالق الحكومة، كما لم تكن هناك فاتورة كهرباء أو ماء أو هاتف لإنعدام هذه الخدمات عند أغلب أهل السودان. ثمّ جاءت بعد ذلك ثورة الإنقاذ فجلبت معها سياسات البنك الدوليّ التحريريّة الرأسماليّة فؤغرِقت الأسواق بمتاع الحياة الدُنيا من كل لونٍ وصنف، وخُصخِصت المدارس والجامعات والمُستشفيات ورُفع الدعم عن المأكولات والمحروقات وشُيّدت نقاط تحصيل الدِمغ والجِبايات. وأمّا الدُخول والمُرتّبات فقد تخلّفت عن مُواكبة إرتفاع إلتزامات العيش الكريم ممّا خلق إشكالاً أخلاقيّاً للكثيرين. إنّ الجانب المُتفائل منِّي يقول بأنّ الفساد المالي هو حوجة فرضتها رغبةُ موّظفٍ بسيط في دفع رسوم تسجيل أبنائه في مدرسة يتعلّمون فيها الحد الأدنى مما يحتاجونه للخروج من دوّامة الفقر والجهل. وهذه الحوجة يُمكن سدّها عن طريق تحسين ظروف المعيشة ومُوازنة الأجور مع إحتياجات الحد الأدنى للعيش الكريم. وأمّا الجانب المُتشائم فيقول أن بيضة الحوجة قد فرخّت ثعباناُ فتحوّل الفساد من سدّ هوّة إلى ثقافة مُجتمع. وسؤال البيضة والدجاجة هنا: لو كان الفساد حوجة تحوّلت إلى ثقافة، ولو كانت هذه الثقافة هي المُعطّل الأساسي لنمو الإقتصاد، فكيف لنا أن نُنمّي الإقتصاد حتى نستطيع تلبية حاجات المُجتمع لكي لا تتحوّل الحوجة إلى ثقافة فساد مُستدامة؟!


مُستوى التوقّعات وواقع الأشياء
عندما وصلت خِدمة الكهرباء إلى أرياف سنجة في منتصف وأواخر التسعينيّات، شاعت طُرفة وقتها تقول بأن الضيف إذا حلّ على منازل أحد القُرى خيّره مُضيِّفوه قائلين: نجيب ليك موية ولّا نولّع ليك النور؟ إن واقع الأشياء اليوم أنّ أغلب أهل السودان هم حديثوا عهدٍ بخدماتٍ يعدّونها من الرفاهيّات بينما هي حقوقٌ أساسيّة في بقاعٍ أخرى منذ زمنٍ بعيد. كما أنّه ما زال هناك إعتقادٌ سائد بأستحالة إنجاز ما هو بديهي في غير السودان كالطُرُق المُعبّدة الآمنة والكهرباء المُستدامة والماء الصالح للشُرب والمدارس المؤثثة والمِصحّات المُجهّزة والخدمة المدنيّة الجيّدة والإقتصاد المُعافى ومؤسّسية القرار وخُلو الحدود من التمرّد المُسلّح. بل إن البعض ليؤمن بأن هذه الأهداف لن تقل عن أن تكون مُعجزات ربّانيّة لن يدركها بشر وبالتالي يُبقون على مستويّات توقعاتهم منخفضة فيترائ لهم أداء حُكوماتهم كأنه على أحسن ما يُمكن أن يكون. وسؤال البيضة والدجاجة هنا يكون: لو كان مُستوى التوقعات مُنخفضاً هكذا، فمن أين يأتي الحافز للنهوض والإنبعاث. ولو ترسّخ الركود وعُطّل النمو بسبب إنخفاض التوقعات، فمن أين يأتي الإلهام والتطلّع ليرتفع معه سقف التّوقعات؟!


أمّا السؤال الأهم: كيف أحل مُشكلة كَرَنك رأسي المُعضِّي بدون عَمْرة كاملة للماكينة؟!


عثمان بكري                         

Saturday, April 21, 2012

آمال الكبار وأحلام الصغار

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أتفاجأ عندما تكشف لي صغيرتي سارة عن عِظم ما تحلم بتحقيقه عندما تكبر. فأحلام الصِغار لا سقف لها، كما أنّ من المعلومِ أن إبن البطِّ عوّام فأُسرتها مليئة بأمثلة رائعة لسيّداتٍ عظيمات شغلن مقاعد البرلمان وأسّسن لتعليم الإناث في الأقاليم وأَدَرنَ أعمالهُنّ الخاصّة بأمانةٍ وإقتدار. لكنّ حُلُم سارة كان أبعد مما تخيّله عقلي وتأمّله قلبي فقالت لي: بابا....أنا عاوزة أكبر عشان أغسّل العِدّة!


بعد أن جفّت دموع الضحِك من عيني، بدأت أتأمّل بِجدٍّ كلام فتاتي الصغيرة وعدت إلى أرشيف ذكرياتي لأُقارن أحلامي آنذاك بأحلامها اليوم وأوازن أدائي اليوم بما أسمو إلى أن تطاله هي في الغد. إستَرجَعتُ أنّني كُنت أطمحُ أن أصير سائق باصٍ سياحي على خط الخرطوم سِنجة. كيف لا وقد أذهلتني حينها مهارة سائق الباص الذي كان يستطيع وبكل ثقة تجاوز شاحنة على طريق الموت (البعض يسميه شارع مدني) والعودة إلى الجانب الصحيح من الطريق قبيل ثواني من وصول اللّوري المُسرع في الإتِجاه المعاكس وفي ذات الوقت مُراوغة الحَمير والكِلاب والتُيوس التي تتهادى عن يمين الشارع ويساره كأنّها جموع مُشجّعين تُتابع رالِياً للشاحنات والبصّات واللّواري وعربات الكارّو. والأهم من كُلّ هذا وذاك قُدرته على القِيام بكُل هذا وذاك بينما يده اليُمنى مشغولةٌ بِحمل كوب مليئ بالشاي الساخن الذي يقرُب أن ينسكب على عِدّتِه الخاصّة كلما ناور بالباص حُفَر الشارع ومطبّاته!


وحلِمت في صغري أيضاً بأن أجمع بين أربع زوجات. ولم يكن سبب هذا الطموح الشغف بالنساء أو جموح رغبة التناسل فقد كنت وقتها بريئاً براءة الحِملان، ولكن أردت أن أُريح ضميري و أفُكّ حيرتي. والقِصّة أنّني كُنت قد تبادلت مشاعر إعجابٍ مع أربعٍ من فتيات الزُقاق. فلمّا عجِز عقلي الصغير عن التمييز وشقّ على قلبي الرهيفُ شوكَشة أيّا منهن، عقدت العزم على ممراسة حقي في إتّخاذ مثنى وثُلاث ورُباع. عُدت من رحلة الماضي هذه مُنشرح الصدر مُطمَئنَ الفؤاد فعلى ما يبدو أن أحلام الصغار تبقى أحلاماً. ولو أنها صارت خلاف ذلك فبدل كتابة هذه الكلمات لكنت الآن أراوغ النِعاج والقطط واللّواري على شارع مدني ولكان تحت مقعدي أربعةُ أكياسِ خضار! 


عثمان بكري                 

بانوراما أحلى الكلام: إبريل 2012


العائق الرئيسي للاستثمار هو مواطن من نوعية النُص كلتش
ورغم ذلك لانستطيع ان نقطعه معه ناشف
والي سنار أحمد عبّاس (1)

’أمسح أكسح قُشّو ماتجيبو حي
والي جنوب كردفان أحمد هارون يوجه جنود الجيش السوداني بعدم إبقاء أسرى (2)

’تمكنّا اليوم من الإستيلاء على منطقة هجليج ذات البترول
بدوي موسى الساكن الناطق باسم حركة العدل والمساواة إعلانا بسقوط هجليج (3)

حواشتي بتدخِّل لي أضعاف ماهية رئاسة الجمهورية
عمر حسن البشير في معرض حث الشباب على إمتهان الزراعة (4)

’إن قعدوا في هجليج ووب وإن خرجوا ووبين‘
نافع علي نافع توعّدا لجنوب السودان بعد إحتلاله لمنطقة هجليج (5)

الناس ديل عصرناهم عدييييييل
عمر حسن البشير ساخراً من إدّعاء جوبا الإنسحاب من هجليج طوعاً (6)

الناس ديل لي مابِوَرُو المنطقة دَه
سلفاكير ميارديت متحديّا حكومة السودان لإثبات زعمها تحرير هجليج (7)

الحشرة الشعبيّة لتخريب السودان
عمر حسن البشير في وصف الحركة الشعبيّة لتحرير السودان بعد إستيلائها على هجليج (8)

ليس هناك حل عسكري
باراك أوباما يحث جميع أطراف النزاع السوداني بما هيهم الشمال والجنوب ومتمردي الطرفين على التفاوض (9)


بانوراما أحلى الكلام تدوينة شهريّة تهدف إلى تسجيل تاريخ السودان عبر أقوال أهل السياسة والثقافة والفنون. الجميع مدعو للمشاركة . لترصد الحدث أرسل المقولة مع التاريخ والمصدر والحيثيّات إلى البريد الإلكتروني osman.b.musa@gmail.com 



(1) الصحافة 3\3\2012
(2) الجزيرة 1\4\2012
(3) راديو دبنقا 2\4\2012
(4) الرأي العام 26\3\2012
(5) الرأي العام 17\4\2012
(6) الشروق 20\4\2012
(7) الجزيرة 20\4\2012
(8) مصادر 20\4\2012
(9) مصادر 21\4\2012

Sunday, April 15, 2012

مُرجيحة الوطنيّة والثوريّة: كوز..ما كوز

عندما عبّرت على تويتر عن موقفي الرافض لإعتداء حكومة جنوب السودان على هجليج، جاءتني تغريدات مُشفِقة تُحذّرني من مغبّة الوطنيّة العمياء وخطر الإنجراف وراء مواقف الحُكومة وحزبها. والحق يُقال أن هذه الرُدود أصابتني في مقتل فتَبعثَرت أفكاري وتَمرجَحَت قناعاتي. عِندها ذهبت إلى شاطئ البحر وجلست على رماله البرونزيّة حاملاً بيدي زهرةً أخذت أقْطِف أوراقها ورقةً ورقة وأنا أُردد مع كل ورقة: أنا كوز..أنا ما كوز..كوز..ما كوز..


الوطنيّة: عصاة الساسة السحريّة
ولو تركنا الأفلام العربي جانباً وعدنا إلى الواقع لوجدنا أن الحكومات والأحزاب لطالما مارست ربط الوطنيّة بالسياسة من باب ذر الرماد في العيون ودس السُم في الزلابيا. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتّحدة، قدّم الرئيس الأمريكي حينها, جورج بوش الإبن، مشروع قانون لمُكافحة الإرهاب يحوي في طيّاته وسائل وآليات تُعطي المُؤسّسات الأمنيّة الأمريكيّة كسي آي أيه وإف بي آي وإن إس إيه صلاحيّات غير مسبوقة تتجاوز الخطوط الحمراء التي حددّها الدستور الأمريكي لحماية الخصوصيات والحريّات والحقوق الشخصيّة للمواطن. ولِكي يُمهّد بوش الطريق لتمرير القانون عبر الكونغرس، قام بتسمية القانون "القانون الوطني Patriot Act". صوّت لصالح القانون وقتها كِلا الحِزبين و تمّت إجازته بأغلبيّة ساحقة!


نحنا إنضربنا على قفانا
لو أردنا تعريف تعبير الوطنيّة العمياء بمثالٍ حي فإننا لن نضطر أن نذهب إلى أبعد من إستاد المريخ في أمدرمان الذي شهد مباراةً حامية الوطيس بين مُنتخبي مصر والجزائر كانت نتيجتها فوز الإنحطاط على الأريحيّة بحصيلة عشرة أهداف لصفر. يومها جسّد المصريون والجزائريون كل ما يوحي به مُصطلح الوطنيّة العمياء وما تحمله عبارة غريزة القطيع من معاني - عمّمت هنا لأن البلاء يعُم! إن إشعال حربٍ إعلاميّة وشعبيّة ورسميّة من أجل منشطٍ رياضي وبإسم الوطنيّة هو أقل ما يمكن أن يوصف به أنه تهريج. وإذا وضعنا هذا السلوك المُشين جنباً إلى جنب مع مواقف المواطن السوداني المُستنكرة لتصعيد الحركة الشعبيّة الأخير فإن المنطق سيجزم بأن هذان فعلان لا يصح جمعهما في تصنيف واحد ووصفهما بعبارة واحدة.


كلاشنكوف غاندي ودبّابة لوثر كينغ  
وكما أن الوطنية العمياء مُهلكة فإن الثورة العمياء هي أيضاٌ قاتلة. إن تقديم الغاية على الوسيلة كمثل ما تقوم به حركات التمردّ المُسلّحة فيه من السلبيات ما يُهمّش الفوائد المرجوة منه. فلو كان الهدف من التمرّد إسقاط النظام فإن الخِبرة علّمتنا أن كل تمرّد يقع على الحدود يُكسب النِظام تعاطفاً وتأييداً أكبر لدى بُسطاء الناس الذين يقاتل من أجلهم التمرّد! ولو كان الهدف ردّ حق أو فكّ أسْر فإن قوانين الطوارئ التي تستلزمها الحرب تَسلِب حقوقاً أكبر وتأسِر أضعاف ما كان في الحبس في المُقام الأول. ولو كان الهدف نشر وعيٍّ أو تحرير فكرٍ فإن التمرّد سيُوَعِّي الجيل الجديد إلى أن الحق لا يُأخذ إلى بسفك الدم وأنّ الغاية تسمو فوق الوسيلة كما أنه سيمنح المجال للنظام لقمع النُشطاء المدنيين الذين يسعون لتحرير فكر المواطن ورفعه فوق إنحطاط الوطنيّة العمياء. ولهذا فإن الوطنيّة المسؤولة ترفض التمرّد المُسلّح أينما كان و مهما كانت مطالبه.


ولو ترَكنَا الواقعيّة جانباً وعُدنا إلى الأفلام العربي، فإننا سنجد أن العاطفة العمياء دائماً ما تؤدّي إلى إنتهاء مناسبات الأعراس المصريّة إلى خناقات بالشُوَم والكراسي!   


ملحوظة: نبعت بعض أفكار ومُفردات هذه التدوينة من تغريدات رجال ونساء أعْتَزُ أن أنتمي إلى بلدهم السودان. قد نتّفِق أحيانا وقد نختلف أحياناً ولكننا دوماً نبيت سمن على عسل. لله درّكم أهل تويتر.


               

Wednesday, April 11, 2012

هجليج..البتبلبل يعوم



كنت متواجداً في القاهرة قبل خمسٍ وعشرون يوماً من إندلاع الثورة المصريّة وقبل ستة شهور من إنفصال جنوب السودان عن شماله. وكان من أطرف المواقف التي عشتها أنّني ركبت سيارة أجرة فبادر سائقها بتسليتي فأسمعني ما تيسّر له من أسطوانة مصر والسودان حِتّة واحدة وأعقب ذلك بما حفظ من أدعية على حسني مبارك على طريقة مسرحيّة الزعيم من شاكلة اللّهم جرجره واللّهم كثّر من بابا غنّوجه! ثمّ عرّج من بعد ذلك إلى السياسة الخارجيّة فسألني عن رأيي في إنفصال جنوب السودان و عن مآلاته. صرّحت له وقتها بقناعتني أن الإنفصال هو أبغض الحلال وأن الطلاق بالإحسان يكون أحياناً الحل الوحيد لعلاج ما إستحال إصلاحه. فقال بصوت حزينٍ متحسِّر: لا حول ولاقوة إلا بالله...طيب العيال ذنبهم إيه يتبهدلوا كده؟! فما كان منّي إلى أن زوّدت له في البقشيش!


لقد منحتني أحداث العدوان الأخير على هجليج فرصة للعودة إلى الوراء وزيارة مواقفي السابقة من موضوع الإنفصال. لقد كنت مؤمناً بأن الواقعيّة تحتم السعي لإيقاف الحرب بأي ثمن، ما دام أن الثمن لايشتمل على إراقة المزيد من الدماء. فالحفاظ على الأرض والموارد قيمتان ساميتان ولكنهما لا تعلوان على قيمة حفظ النفس، فإذا كان لبرميل النفط سِعرٌ يُقايَض به فإن الأمن والطمئنينة لا يقاسان بمعيار ولا يقدّران بثمن. ومن هنا نبع يقيني بأن الإنفصال سيكون أقُل ضررا من بديله. وقد يُعلّق أحدنا هنا بأن بديل الإنفصال هو الوحدة فكيف لي أن أميل إلى الإنفصال دون الوحدة. ولكي يكون الجواب موضوعيّا فإنه لا بد من التعقيب بسؤال عن شكل الوحدة ولونها، ذلك أن وحدة السودان على مرّ وجوده لا تشبه في المبدأ ولا في التطبيق ما أريده في الوحدة. وشتان بين وحدة السودان وبين وحدة الولايات الإمريكيّة أو الإتحاد الأوروبي مثلاً. وكما قالت جدّتي: الوحدة خشم بيوت يا ولدي!


ولعل أوان الجدال قي موضوع الإنفصال قد فات فلقد رُفِعَت أقلام إتّفاق تقرير المصير وجفّت صحفه، ولكن بالمُقابل فإن الأرض لم تجف من دموع ودماء ضحايا الحرب. وبالرُغم من شدّة الحُلكة التي هبطت على بلدي في الإيّام السابقة بعد حدوث ما لم يتوقعه المُراقبون والمُحللّون، فإنني ما زلت أرى بصيص أملٍ في الأفق. إن من المهم جدّاً أن ننظر إلى هذه الأحداث من منظورٍ  شامل يتعدى السياسة والإقتصاد إلى الطبيعة البشريّة. ولو فعلنا ذلك لرأينا حقيقة أن حرب السودان الأهليّة دامت زُهاء خمسين عاماً قُتل في خِضمِّها من قُتِل وشُرِّد من شُرِّد وزُرع في قلوب الناس كُرهٌ وبُغضٌ شديدين ولّدا عداءً وانعدام ثقةٍ مُتأصّلين. ولو راجعنا التاريخ لرأينا أن إثيوبيا وأريتيريا مثلاً خاضتا حرباً ضروساً بعد إنفصالٍ بتراضي من الطرفين إلاّ أنهما عادتا و ثابتا إلى رشديهما بعد أن تحددّت موازين القوى وإتّضحت معالم الأمر الواقع فرُسمت على إثر هذه الموازين والوقائع حدودهما الجغرافيّة. لا بد لنا أن لا نسنى أنه لم ينقضي سوى عشرة أشهر على حدث إنفصال الجنوب وهو حدثٌ عظيم بكل المقاييس وسيكون له تبعات نأمل جميعاً إقتراب خمودها وإندمال جروحها النفسيّة.


لن أتحدث في هذا المِنبر عن أسباب تأزّم ملف الإنفصال فأسبابه واضحةٌ للعيان وأوجز بالقول أن مُبتدأها سوء إدارة ومُنتهاها إنعدام إرادة. ولكن هناك نقطة وجب خطّها رغم أنّها قد تثير حفيظة الكثيرين من كلا جانبيّ الرأي. فبما أننا قد أقررنا مبدأ الأرض والبترول مقابل السلام في 2005 ثم بعد ذلك طَبِّقناه تطبيقاٌ "نُص كُم" في 2011، فلماذا إذاً لا نُكمل المُشوار فنُخيّر كل من أراد الإنفصال في جنوب كُردفان والنيل الأزرق حتى لا يكون لأحدٍ حِجّةً علينا. ولا أرى ضرراً في أن تُستفتى كل ولاية وكل مدينة وكل قريّة على حِده، حتى يعلم كل إنسان موقعه في خريطة الواقع الجديد. وكما قالت جدّتي: البتبلبل يعوم يا ولدي!


ملحوظة: جدّتي ليست مُحللُة سياسيّة وغير مسؤولة عن الآراء التي تُطرح في هذه المُدوّنة.
            

        

Monday, April 9, 2012

بابا بابا..الجنوبي ضربوه


ما أن عادت زوجتي وابنتي سارة من السوق، حتى دخلت عليّ سارة ذات الثلاثِ سنون  وهي تُردِّد: بابا بابا الجنوبي ضربوهو..الجنوبي ضربوه. سألتها بأندهاش: من هو هذا الجنوبي الذي ضُرِب ومن ضربوه ولماذا ضربوه. ردّت بتلهّف: الجنوبي سرق..الجنوبي سرق. ووسط أنهماكي بفك طلاسم هذا اللغز، دَخَلت علينا زوجتي فتحوّل نظري تُجاهها لعلها تُبطل عَجَبي وتُسكِّن شَمار صدري، فحدثتني عن أنّ طفلاً من أطفال الشوارع - أغلب ظنّها أنّه جنوبي - حاول سرقة موبايل أحد مُرتادي السوق، ولكن على ما بدى أن الموبايل كان مالاً حلالاً ففطِن صاحبه إلى مُحاولة سرقته فما كان منه إلّى أن أمسك بالصبيّ من زُمّارته. أدرك مُرتادوا السوق ما حدث فشمّروا سواعِدهم و أقبلوا على الصبيّ ليوسعوه بُنَياً و كِفّيتاً وعضعضة. ولحسن حظ الطفل وصل عسكري الشرطة مكان الحادث قبل فوات الأوان.

بعد أن أكملت زوجتي سرد القصّة، نظرت إلى وجه سارة البرئ بتحسّرٍ وحُزنٍ شديدين ثم قلت لأم سارة: بشرى لك، لقد تعلّمت إبنتنا سارة في خمس دقائق من الشارع نقيض ما كنت أنوي تعليمها أيّاه في عشر سنين. قالت: و كيف كان هذا. قلت: عُدّي معي:

تعلمّت سارة أن هذا الطفل هو جنوبي قبل أن يكون إنساناً وطِفلاً فلم تقل لي الطِفل ضربوه ولكن قالت الجنوبي ضربوه، فشقّ على قلبي أن يتسمّم عقلُها الواعد بداء التمييز والفرز بمبدأ اللون والعرق والجنس. كما تَعَلّمَت سارة أيضاً أن الإنسان قد يسرق وإذا سرق فهو حتماً مجرم، ولكنها لم تتعلّم أن الصبيّ رُبّما سرق ليشتري رغيفَ خبزٍ يُبقي على حياته أو قِطعة قماشٍ بالية تستر عورته بعد أن خذله أهله ومجتمعه وأولياء أمره. كما تعلّمت أن تحكم على الناس من أعلى بُرجٍ عاجيّ وهي لم تذق طعم الفقر - لا أذاقه الله لها، فإنّ من أسوأ أمراض القلب أن يُقبل الإنسان على اللوم والعتاب دون أن يسعى لفهم الأسباب والظروف و من ثم يعمل على تغييرها.  

ثُمّ تعلّمت سارة أن الحق يُستَردّ باليد وليس بالقانون، فيأخذ صاحب الثأر بثأره وقتما وكيفما إستطاع دون إعتبارٍ لمبادئ و قواعدِ الدين. ولعلّ الإنسان منّا تغلِبه مشاعره وإنفعالاته فيبطش ويسفك بخلاف ما شرع الله كما فعل ثُوّار ليبيا بِمُعمّر بعدما أسروه، ولعلهم يستغفرون لله فيغفر لهم، ولكن وجب علينا ذِكرُ أنّ الشديد هو من يملك نفسه عند الغضب. والأحرى أن يسأل الإنسان نفسه: لو كان رسول الله في هذا الموقف، أيبطِش أم يُمسِك؟ قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخِر وذكر الله كثيراً

كما تعلمّت إبنتنا أيضاً أنّ المعروف هو ما تعارفت عليه الناس وليس ما شرعه الله وبيّنه رسوله. فتعارف الجمع في هذا اليوم  والموقف على الغلظة والتَعسُّف بخلاف حديث رسول الله الذي أمر فيه بالرحمة بالصغير قبل توقير الكبير. وفوق هذا كلّه غاب عن وعيها أنّ العُنف يولّد العُنف، وأنّ النهج الذي ينتهجه رجالات الأمن والنظام العام هو منبعه من الشارع والمُجتمع. ولربما صار هذا الصبيّ في يومٍ ما أباً فيقسوا على عياله أو رجل شرطةٍ فيبطِش بمن هم تحت رحمته أو وليّ أمرٍ فيظلم رعيّته.

قالت زوجتي: وفي رأيك كيف نداوي بنتنا من كل هذا. قلت: أعطيها 5 ملل انتيبيوتيك!

                  

Sunday, April 8, 2012

خاطرة سريعة: الجزيرة بين فكيّ الإنسانية والموضوعيّة



من المعلوم أن الإنسانيّة والموضوعيّة خصمان لا يلتقيان، وذلك بواقع تعريفهما. فالقلب إنساني بالفطرة. ولو صار القلب موضوعيّا لما تزوّج واحدٌ منّا زوجه! لمّا مال قلب قناة الجزيرة إلى مبادئ التحرّر والديمقراطيّة ، دخلت الإنسانيّة من الشبّاك وخرجت الموضوعيّة من الباب. سوف أتفهّم هذا الواقع وأسلّم له إذا إعترفت به قناة الجزيرة لنفسها ولجمهورها، فليس هنالك أنكى من أن لا يعرف الإنسان نفسه. 


أمّا ما لم أستطع تفهّمه فهو إزدواج المعايير. وربما تُثبت قناة الجزيرة أنني على خطأ عندما يُعقب علي الضفيري حلقته من برنامج "في العمق" التي عالجت أزمة سوريا بحلقة تناقش موضوع المَلَكيّة في السعوديّة ويكون ضيوفها أربعة معارضين سعوديين. حينها سأُقبِّل جبهتك وكفيّك عزيزي الضفيري ولن ألومك إذا لم تسامحني بعدها!    

Thursday, April 5, 2012

الكبت الجنسي: مِطرقة شاكيرا وسِندان المجتمع



مُبتدأ الكلام
http://signsanddisplays.files.wordpress.com
في يوم الاربعاء الموافق 4\4\2012 قام رجال الأمن السوداني بتفريق تظاهُرة سياسيّه في أحد شوارع أمدرمان مُستخدمين الهروات و العِصيّ مما أدى إلى إصابة ناشطة سياسيّة برضوض في الجهة الخلفيّة من الكتِف الأيسر. ولكسب هذا الحدث، نشرت بعض الجماعات الحقوقيّة على مواقعها الإلكترونيّة صورة فوتوغرافيّة  تُظهر آثار العدوان على كتف المجنيّ عليها أملاً في أن يؤدي هذا التصرّف لكسب تعاطف الناس تُجاه قضايا الإستبداد. ولكن حدث ما لم يخطر على بال الناشرين، حيث شبّ جدالٌ عنيف بين المؤيدين والمستنكرين لنشر الصورة مما أدى إلى إنحراف مسار النقاش عن هدفه المقصود. أمّا على يمين خط الخلاف، فقد إتّهم رافضوا النشر الناشرين بأنهم لمّا كشفوا عورة المجنيّ عليها للعيان كانوا بذلك قد وضعوا أولويّة بلوغ الغاية فوق نزاهة الوسيلة. وأمّا المؤيّدون فقد رأوا أنّ المنكرين ليسوا إلّا شهوانيّين طغت على فكرهم الغريزة وإستحوذت على عقولهم النزوات فبدل أن يروا مُعاناة المظلوم والمقهور تراءى لهم الممنوع المرغوب.


مطرقة شاكيرا
لا أملك رأياً قاطعاً في هذا الموضوع فبرغم أن الصورة المنشورة كشفت لكل من هبّ ودبّ أكثر مما قد يستسيغه ذَوق المجتمع، إلّا أن سلب حريّة التعبير هي بالمقابل أكثر مما قد يستسيغه عقل الإنسان الكريم. وبِغض النظر عن صِحّة الإتهامات المتبادلة بين الطرفين أو بطلانها، فإن من المُؤكد أن قضيّة الكبت الجنسي وسط الشباب هي ظاهرة يتّفق الجميع على جديّة تبعاتها على الفرد والمجتمع. من المعلوم أن الكبت الجنسي ينتج عن إنغلاق قنوات تلبية نداء الطبيعة. وبما أن حديثنا يفترض الإجماع على أن الدين الحنيف هو مبدأ الحل، فإن تشخيصنا وعلاجنا سيدور حول الزواج بصفته القناة الوحيدة المقبولة شرعاً وعُرفاً. لقد برز في العقدين المُنصرمين عاملين محوريّين ساهما في تعزيز الكبت الجنسي وإثرائه. أول هذه العوامل هو الإعلام الفضائي الذي ساهم في تعريف الأطفال بثقافة الجنس غير المُقننة في سن مبكّرة ومن ثمّ عمِل على إشعال الغرائز عن طريق سكب الزيت على النار كلّما أرادت أن تنطفئ. أما العامل الثاني فهو مرتبط بتقاليد المجتمعات وعاداتها.


سندان المجتمع
أدّى الإنفتاح الإقتصادي الذي عمّ المنطقة في العقدين الأخيرين إلى شيوع ثقافة الإستهلاك، التي أدّت هي بدورها إلى إستشراء غريزة حُب التملّك وإرتفاع حدّة التنافس على كسب المال من جهة والتنافس على إنفاقه تباهيّاً وغروراً من جهة أخرى. وتتجلى دلالات هذا الزحف الثقافي في تغيّر عادات وتقاليد الزواج في المجتمعات العربيّة، حيث يبالغُ طرفا مُعادلة الزواج في الصرفِ على نفقاته - حتّى إنه ليخيّل للمُراقب عن بعد أن الهدف من طقوس الزواج هو مُعاقبة كل أطرافه على إقدامها عليه! وأغلب الظن أننا لسنا بحاجة لنيل شهادةِ دُكتوراه حتى يتسنّى لنا إدراك العواقب الوخيمة لهذه السلوكيّات الشاذة، فيبدوا لنا أنه من البديهيّ أن يصير عدد العازبين من الشباب والشابّات في إزديادٍ مضطرد ومُستدام. وربما تكون المهمّة الأصعب هي رصد جميع القِيم والمبادئ التي تُكسر منذ بداية مشروع الزواج بالنظرة الأولى وحتى ينقشع غُبار طقوسه التي يزداد عددها مع تعاقب الأجيال.


الزواج وسُنن الطبيعة
http://scm-l3.technorati.com
لو أمعنّا النظر في تركيبة الإنسان الفيزيائيّة والكيميائيّة والعصبيّة، لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى سخّر كلّ التفاصيل الجسديّة والنفسيّة لصالح تيسير عمليّات التوادُد والتراحم والتناسل، ومن ثم توفير آليّات تغذية النسل ورعايته. وبالمُقابل فإن مُجتماعتنا تُسخّركل طاقاتها الذهنيّة والماديّة لأجل تعسير الزواج والترهيب منه. ويكون السؤال هنا للمُجتمع: لماذا نُعسّر، ربما بغير قصدٍ، ما يسّره الله حتماً بقصد. إن اللّهث وراء سراب القبول الإجتماعي وجعله أوليّةً فوق القيم والعقائد لن يفضي في النهاية إلى سعادةٍ أو إطمئنان، ولكنّه حتماً سيجعل صورة ناشطتنا السياسيّة تبدوا أقرب إلى الإغراء وتحفيز الغرائز منها إلى الدعوة للنضال ضد التضييق على حريّة التعبير!


ملحوظة: لا يهدف هذا المقال للتعميم المُطلق، ولكنه يرمي إلى إستئصال ظواهر سالبة بدأ بعض المُجتمع في تقبّلها كعاداتٍ أصيلة.