Saturday, January 19, 2013

هيا بنا ندوّن


عزيزي القارئ: اكتب اليك اليوم من اجل غرض واحد، لاقنعك بان تكتب. لا يهمني ماذا تكتب وبأي لغة تكتب. ولا يهمني إن كتبت شعرا او نثرا او قصة. ولا يعنيني إن كان المغزى سياسيا او روحانيا او فلسفيا. ولا يضيرني ان كان المكتوب سردا لرتيب يومك او مدحا لجمال حبيبك او قدحا لرداءة شارع منزلك. عزيزتي القارئة: ان للكتابة فوائد عظيمة تعود على الكاتب لو علمها ما وضع القلم عن يده، كما ان للكتابة فوائد جمّه تعود على المجتمع والامّة لا تغفلها الا الفئة الجاهلة بخيرها وصلاحها. في هذه السطور اسرد بعض هذه الفوائد من باب العد وليس الحصر.

للذكرى والتاريخ
من المعلوم ان أهم مصادر تأريخ الاحداث العظام هي الكتابات التي انتجها اشخاص مغمورون انحصرت عظمتهم في محيطهم الزماني والمكاني، فالحروب تُوثّق برسائل الجنود الى اهلهم واحبابهم من الصفوف الامامية، والمجاعات والابتلاءات تخلّد بمشاهدات من عاصروها لحظة بلحظة فالتقطوا صورها بأقلامهم وارْشفوا تفاصيلها في طيّات مدوناتهم. ورغم ان الصورة الثابتة او المتحركة اليوم تعدل الف كلمة فان الصورة بدون تعليق وتعقيب هي عرضة للتاويل والتفسير فيرى احدهم في الصورة دموع حزن واسى بينما يرى الاخر دموع فرح وسرور، ولولا الكلمات لفقدت الصورة محتواها. ولكن لماذا نوثق؟ ذلك لان الحضارة الانسانية قد بنيت على تراكم العلوم والخبرات. وان من اكبر مشكلاتنا في بلداننا النامية هي ضعف توثيقنا لاخفاقاتنا ونجاحاتنا فما نفتأ ان نكرر الاخطاء مرة بعد مرة بدون كلل او ملل، وبالمقابل فان اي تجربة نجاح تموت مع جيلها قبل ان تصل خلطة النجاح السرية الى يد الاجيال القادمة. فلنكتب للذكرى والتاريخ.

الكلمة مرآة العقل
ان الواحد منا اذا اراد مراجعة هيئته وشكله نظر الى المرآة ليعدّل المعوّج وليكمّل الناقص من بهائه وحسنه. وكذلك الكلمة المكتوبة هي انعكاس العقل وتجسيد الفكر، فاذا اراد احدنا تقييم مواقفه وارائه فما عليه الا ان يخطها بالحبر على الورق ثم يقرأها لنفسه فاذا بالعقل كانه ينظر الى انعكساه في المرآة فيتسنى له بذلك اختبار منطقه ومراجعة مبتدأ حججه والتحري لعلل قناعاته. ثم من بعد ذلك فإن الانسان الذكي التوّاق للإحسان والكمال سينقد ذاته نقدا بناءا وينصحها في اتجاه فكر افضل ورؤية ابعد واعمق. عزيزي القارئ: لقد بدات اكتب املا في ان تُغيّر كتاباتي الدنيا، فاذا بها كتاباتي تغير افكاري.  فلنكتب لنُنمي عقولنا.

 مدونتي البوم نموّي الفكري
عندما يعود الواحد منا الى ارشيف كتاباته، منشورة كانت او خاصة، فانه يعجب لتطور شخصيته التي تعكسها كلماته لكل فترة من فترات حياته، فيجد الانسان المتوسط منا انه مرّ بمراحل السذاجة الممزوجة بالجهل في اول عقد وبضع سنين، ومن ثم يبدا الجهل في الاضمحلال بينما تبقى السذاجة بل وتشتد احيانا في فترة المراهقة والسنون الاولى من العقد الثاني. ثم بعد ذلك يطغى العلم على الجهل وتقضي تجربة الحياة على السذاجة فيدرك الانسان ان الدنيا هي تنازلات تتخللها مكاسب وان التغيير لا يحدث في لحظة ايّا كانت الاليات كما انّ الطفل لا يولد إلا في تسع شهور ولو عمل عليه الف طبيب. فلندوّن لنوثّق مراحل نمو فكرنا. 

الجداول تصنع الانهار
ان كل جسم كبير هو نتيجة اتحاد عدد كبير من الاجسام الصغيرة. ان بلادنا بحاجة الى فكرة كبيرة تختزل في طياتها تجارب مئات السنين وتحمل في جوفها مدخلات واطروحات الملايين من الناس من داخل الوطن وخارجه وتحوي في وجدانها قصص الشعوب وحكايات الاجيال، وتستمد رؤاها من اساطير صعود الحضارات ومن حيثيات افولها. ان فكرة بهذا الحجم لن تتحقق إلاّ اذا كتب كل من يستطيع حمل القلم ولن تتبلور الا اذا تفكّر كل من له عقل وقلب، ولن تنطلق الا اذا حلم كل من له رؤية ونظر ثاقب. وإن الفكرة والحلم بحاجة الى من يخطهما بقلمه والى من يجسدهما بسواعده. فلنكتب لندلي بدلونا في بحر فكرة نهوضنا. 

فلنكتب كتابا او رسالة او تدوينة او خاطرة او مقالا او تعليقا. فلنكتب عشان الحاجات تبقى كويسة.