Wednesday, May 27, 2015

مُعتقَل الوفاء التراثي النسوي - حصة ال الشيخ



جريدة الرياض الخميس 3 شعبان 1436 هـ - 21 مايو 2015م - العدد 17132 , صفحة رقم ( 32 )

مثاليات الوفاء يسقطها التراث عن نفسه «نوع الرجال» فيتزوج بأخرى منذ أن يدفن زوجته، بينما هي تظل تبكي وفاءها أربعة أشهر وعشراً، وتجلل نفسها بالسواد والحزن والتقبيح، ومع الرضا بالقسمة الذكورية تهلّ مزايدات قتل المرأة بموت زوجها؛ لتحرّم عليها الخروج، ورؤية القمر بدرا،ً وشرب القهوة بالزعفران، والتجمل، والتحدث مع الرجال، وغيرها من خرافات التراث؟!! فلله دره من جنون وفاءٍ للذكورة عظيم..
تستولد السجون بعضها البعض؛ فمن سجن الولاية إلى سجن الوفاء تواصل المرأة مسيرة الخنوع، سكتت عن السجن الكبير؛ سجن العنصرية فانفرط عقد السجون؛ سجنوا إنسانيتها وسجنوا حريتها وسجنوا وجهها وسجنوا مشاعرها، وسيوالون فتح المزيد من المعتقلات ما دامت امرأة تلد الخنوع بحكم العادة، ورجلا يوالي تولي الولايات الكاذبة بقدسية التراث.. وواقعا يعيش الغائب لا الشاهد، ويبني تعاملاته وأحكامه على واقع مفصول عنه بأكثر من 1400 عام..
سجون حولت المرأة لملك متأزل، لتصبح شيئا أشد على الفهم من مفهوم التشيئة، وتابعاً أعظم عبودية من فكرة التبعية؛ يسقط كامل العائلة الأنثوية؛ الأم والأخت والبنت والعمة والخالة والجدة من حسابات حقهن الخاص، ليقذف بهن في سلسلة تبعية سديمية ويسلمهن لضمائر استعبادية..
دعونا نربط الولاية في المقال السابق بفعل تقوم به المرأة وهي خانعة مغيبة بفعل طغيان الثقافة الذكورية على ذهنيتها المسلوبة؛ فالمرأة لازالت تواصل سجن نفسها بنفسها بموت زوجها، أربعة أشهر وعشراً، مطمئنة إلى أنها إنما تقضي مدة السجن عبادة لله بواسطة التعبد للزوج المتوفى، وهو أمر يحور ويدور في دوائره اللامنطقية؛ فلا يجد مبرراً أتفه من أن يقيس الوفاء بالحبس، لتسأل المرأة: ما هذا السجن الكئيب المجلل بالسواد؟ فترد:بأن "هذا آخر حقه علي"، وكأن حقه أن يسجنها حياً وميتاً، يا لها من ذكرى رائعة؛ أن يكون آخر عهد للمرأة بزوجها هو السجن، فأي ذكرى جميلة! وأي وفاء تقدمه قرباناً لربها؛ تقسمه بينه وبين رب السماء..
عادة استعبادية فرضها التراث المأفون ودعمها بأكاذيبه المسترشدة بحس الوفاء المنقوص (الذي لايطالبه بالمثل بالطبع) واعتنقتها المرأة كعقيدة لاواعية توجّه مشاعرها بتطبيق ملزم، بدأها بولايته العنصرية ثم سحب حياتها الخاصة ثم فرض عليها المشاعر التي ترضيه وبالطريقة التي تريدها "السجون"، وسيزداد، فمادامت الحقيقة مغيبة ومحفوظة في صندوق الأمانات التراثي الذي يحمل سره الباتع علماؤه الذكوريون، فصلِّ على الإنسانية صلاة الغائب.
هذا التشريع الذكوري الذي طوق به التراث ولا زال أعناق النساء فسجنّ أنفسهن بأنفسهن، يكذّبه القرآن الكريم، فالحكمة الوحيدة لعددية العدة؛ "العدة وليست الحبس"هو التأكد من خلو الرحم ".. يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" يتربصن: أي ينتظرن فلا يتزوجن، بدليل "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" ولو وضعت بنفس يوم موت زوجها.. إذاً؛ لا علاقة للوفاء ذي الشلل النصفي! فالوفاء فعلٌ مثالي حر لايطبق بالسجون العنصرية.
مثاليات الوفاء يسقطها التراث عن نفسه "نوع الرجال" فيتزوج بأخرى منذ أن يدفن زوجته، بينما هي تظل تبكي وفاءها أربعة أشهر وعشراً، وتجلل نفسها بالسواد والحزن والتقبيح، ومع الرضا بالقسمة الذكورية تهلّ مزايدات قتل المرأة بموت زوجها؛ لتحرّم عليها الخروج، ورؤية القمر بدرا،ً وشرب القهوة بالزعفران، والتجمل، والتحدث مع الرجال، وغيرها من خرافات التراث؟!! فلله دره من جنون وفاءٍ للذكورة عظيم..
ضمن إيديولوجيا القهر النسوي؛ لازالت المرأة وفية لسجّانها، تشتمل وفاء السجون بحثاً عن رضا الذكر المقبور.. والتوجد الذكوري للعبث بالمرأة يتعدى البعد المفاهيمي إلى القبض على الوجدان والمشاعر وتوجيهها الوجهة التراثية القاهرة للجنس الأنثوي، تجبر عليه حتى اللاتي لا يرجون نكاحاً، وتلك التي أراحها الموت من زوج قبيح المعشر، فتتجاوز العزاء فيه ثلاثة أيام إلى أربعة أشهر وعشراً، وإن لم تحفظ له موقفاً إنسانياً يستحق لحظة وفاء.. أو دمعة فقد.
هذا الوفاء الإكراهي يتسق وأحكام عابثة بإنسانية المرأة نأخذ منه كمثال؛ "دية المرأة على النصف من دية الرجل"، ولنا في قيمة النفس منطلقاً قرآنياً بشرياً"من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" كقوة رادعة للإجرام، ومنه إلى الوعي بقيمة النفس للقتل الخطأ على سبيل المساواة "فدية مسلمة إلى أهله" المناهض لكافة العنصريات، فالقيمة الإنسانية التي تعتبر الجريمة واحدة تحسب قيمة الفقد بذات الاعتبار، وإن لف ودار أهل التراث ومؤيدوه تنصيفاً لقيمة فقد المرأة.
جرّب البحث في موقع "ملتقى أهل الحديث" لهذا التشريع الفقهي لدية المرأة وستقابلك تبريرات متلعثمة تصادم قيمة أصلية وجودية، بعنصرية ولاء ذكوري تافه وواهن:
يقول أحدهم"وقد أصبحت قضية نقصان دية المرأة عن دية الرجل بقدر النصف، تثير في عصرنا الحاضر نوعًا من الحساسية في الأوساط التي ترفع شعار التقدمية، بعد أن أصبحت المرأة تزاحم الرجل بمنكب ضخم في مختلف المجالات والميادين: في الجامعات طالبة وأستاذة، وفي جميع الوظائف العامة، وفي المحاماة القانونية أمام القضاء، وفي المجالس النيابية والوزارات، بل في رئاسة الحكومة، ورئاسة الدولة، وكل ميدان آخر"
وهو إذ يستخدم كلمة "تزاحم" يظن الحياة خلقت له وحده.. فما أن يرى المرأة فيها حتى تضيق طرقها به؛ لذلك يشرعن للتنقص والازدراء الممهد للشطب والإلغاء.
ويكمل باستنكار "وهنا يتساءلون: هل المرأة في نظر الإسلام نصف إنسان حتى تكون ديتها نصف دية الرجل، ونحن في القرن العشرين؟"
وهو سؤال وجيه يداري خلفه حقيقة؛ يعبر عن كراهية تداولها جورج أورويل بحكمة دقيقة "كلما جنح مجتمع عن الحقيقة، زاد كرهه لأولئك الذين ينطقون بها"
ورغم أن أحاديث التنصيف ضعيفة، وبعضها مجرد آراء تعبر عن أصحابها، وتناقض القرآن، وتضطرب أمام ما صح في تكافؤ الدماء، فقد تعرض الفقيهان الأصم وابن علية لهجوم تراثي عندما صرحا بحكمهما"دية المرأة مثل دية الرجل".
"فابْن عُلَيَّةَ وصفه الذهبي في السير بأنه "جهميٌّ شيطان».. وقال عنه ابن حجر في لسان الميزان: «جهمي هالِك». وقال عنه الإمام العِجلي: «جهميٌّ خبيثٌ ملعون، والاثنان مبتدعان ضالان"..يهيل التراث قذائف الشتم واللعن لمن انعتق بإنسانيته، ولو على سبيل الاستثناء من توجه لاإنساني كلي بالجملة..
وإن شئت زيادة التناقضات المنهجية العقلية الإنسانية فستجد التقسيم التالي، عندما تكون الدية في الجراح والشجاج إذا لم تبلغ الثلث على قولين:
الأول:"تساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلى النصف"
فبالخلط بين الدية والإرث يزداد التخبط المنطقي؛ فيساوونها في الجراح إلى ما قبل الثلث، وينصفون في النفس.. فهل الجزء" إصبع، يد" أعز من الكل" النفس"!، ثم كيف سيتحدد ثلث جسد المرأة فيما لاعدد فيه؟، أم سيختلف الحكم بحسب أهمية العضو المعطوب، فيقدر الثلث بحسب أهمية أجزاء جسدها لديهم؟!، إنها خرافات التراث، سُكت عنها فتمادت تخلفاً وضعة وبؤساً.
يقول ربيعة قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة ؟ قال: عشر من الإبل، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله لما كثر ألمها، واشتد مصابها، قل أرشها؟!"
يرمون بلاء عقولهم على الله، للتخلص من بداهة المنطق التي تفرض نفسها عقلاً..
القول الثاني: أن جراح المرأة على النصف من جراح الرجل فيما قل أو كثر.
والتعليل (أنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما كالمسلم والكافر) والمقابلة في هذا التعليل السقيم؛ المرأة مقابل الكافر، والرجل مقابل المسلم!!
والتبرير: أن حالها أنقص من حال الرجل، ومنفعتها أقل، وقد ظهر أثر النقصان في التنصيف في النفس فكذا أطرافها.
إن ما يحيله العقلاء للبديهة يتفق وحكمة الشارع، ويضرب هذا العبث التراثي العنصري عرض الحائط..
حكاية المساواة التي أسقطها رجال التراث تفصل الدين عن قيمة الأنسنة، ومنها أُتي الإسلام وقدح في خصائصه الأخلاقية؛ جانب عدل الموازين وقسطها، والبناء المنطقي المنهجي لأحكامه ليعم الإنسان بحق المساواة؛"مساواة الوجود".
وأكثر أباطيل التراث تأتي من حكايتهم مع الشرع؛ (يقصدون به رجالهم المقدسين)، أولئك الذين رسخّوا انتقاص المرأة ودنسوا أهليتها وكرسوا فكرة عبوديتها. فأقوال رجالهم المعتبرة فوق النقد وفوق القرآن، أوصلتهم لادعاء" أن السنة تنسخ القرآن"! لتعكس حجم قداسة يتحدث بالإثم ويتوهم عصمة إله.
ميدان العلاقات والمعاملات يخضع لطبيعة التعامل الأرضي، ويتطور بتطور العصر وإنسانه، وإذا فصل عن واقعه آلاف السنين فسيحدث ندوباً في جسد الإنسانية لامحالة.
فالإلهام التشريعي الأرضي مطلق للإنسان، طالما حملت روح تدبيره المقاصدية الإلهية للحرية والعدل والمساواة.
ختاماً:

لن أقول حرية المرأة بيدها؛ كونها معتقلة بحكم وعي سوسيولوجي ومؤسساتي ملتبس، ولكن لها أن تثق أنها حرة مكرمة؛ متى فرّقت بين قول ربها وأقوال الرجال، حينذاك؛ ستنزع عنها وهم عبودية الاستبداد، وسجون الفضائل؛ كوفاء المذلة، وقهر الأقدار.

No comments:

Post a Comment