Monday, May 25, 2015

عن الفكر والحق والنساء

هذه التدوينة تعقيب على مقال للكاتبة (والمُفكّرة) السعودية حصة محمد آل الشيخ بعنوان "معتقل الوفاء التراثي النسوي" تجدونه هنا. والسيدة حصه لغير العارفين بها من الرائدات السعوديات في مجال (الحقوق) الانسانيه بشكل عام والحقوق (النسويه) بشكل خاص. لا اظن انه من اللائق أن أُلخّص لك عزيزي مقال حصة فربما اظلمها واظلم القارئ باعطائه حُكما مسبقا قبل أن يطالع المقال، والأجدر ان يعود القارئ للمقال المذكور ليخرج بخلاصته هو.

سوف استغل هذه المساحه للتعقيب على ثلاثة كلمات في ما يخص مناسبة هذا المقال. الكلمات الثلاث هي: مُفكّر، وحقوق، و مرأه.

مُفكر أو مُفكرة
المُفكر عموما هو من يعمل الفكر في بناء آرائه، وهو من يُدخل العقل في دائرة منظومته العقائديه. لو قرأنا التاريخ الاسلامي، او بالاصح تاريخ الاسلام، فاننا سوف نلحظ انه منذ انطلاقة البعثه وحتى القرن الثاني للهجره كان العالِم بالدين والمفكر وجهان لعملة واحده بل كانا شيئا واحدا. فكان المفكر لقبا وصِفه للعالم كما ان البياض صفة الحليب والصلابه سمة الحديد. كيف لا والقرآن الكريم يعُج بمعاني تدل على جوهريه الفكر والعقل في المنظومة الايمانية. وسوف أدع لك عزيزي مهمة احصاء عدد الآيات التي تحتوي على الكلمات المفتاحية "يتفكرون" و"يعقلون" و "يتدبرون" ومشتقات هذه الكلمات ورديفاتها. كما ان السيره النبويه وقصص الصحابه والتابعين ومخرجاتهم الفكريه لا تخدم الا لتعضيد هذا الاستنتاج.  

 ثم انه في القرن الثالث وبعد ان وضع الائمة الاربعه اقلامهم، حدث انتقال نوعي في الموازاه بين المُفكر والعالِم، فتخلفت الصفه الاولى عن الثانية وصار العالِم هو من يحفظ علوم من سبقه من السلف حرفا بحرف دون ان يسهم فيها ويضيف اليها وينتج الأحسن منها. وبهذا تكون قد اكتملت عملية عزل الفكر عن العِلم. وترتب على هذا العزل ان تبدلت اصالة  الفهم الحي الطازج المتجدد برواسب الوراثة الراكده والتي تزداد سمكا ورسوخا جيلا بعد جيل. وها نحن اليوم نجثم تحت اطنان من ترسبات الماضي تحول بيننا وبين هواء الفكر الاسلامي الاصيل بعبقه المنعش. ومبررات هذا الاضمحلال  هي خوف غير مبرر من الابتداع والاستحداث في الدين. ان وجه التناقض في هذه المبررات هو انها هي التي قادتنا الى استحداث واحد من اخطر البدع على الاسلام الا وهي بدعة اتباع سنة الاباء والجدود دون سنة الله واخلاق رسوله. يقول الله تعالى في سورة المائدة: "واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون".

لقد دعتني ظاهرة التشبث برواسب الارث الثقافي هذه الى بناء نموذج فكري اسميته نموذج ماكينة التصوير (The Photocopier Model). لنفترض ان هناك وثيقة اصليه توزع منها نسخ للتداول العام، وكل عام تُصوّر نُسخ جديده لتعويض التالف ومقابلة زيادة الطلب. ولنفترض ان القائمين على أمر التصوير يستخدون ما بقي من النسخ التي تم تداولها في العام الفائت ليصوروا منها بدلا من استخدام الوثيقة الاصلية. وبالتالي فان نُسخ كل عام تأخذ شوائب وآثار التلف الذي حوته جميع نسخ الاعوام السابقة. ولو افترضنا ان جمعية التصوير هذه ظلت تمارس هذا العمل بهذه الكيفية وبدون انقطاع لمدة الف واربعمئة وستة وثلاثين عاما قمريّا، هل يبقى من الوثيقة الاصلية شيئ يمكن ان يقرأ؟ ان نظام التعليم الديني منذ القرن الثالث الهجري وحتى اليوم هو في نظري تجسيد مطابق لموديل آلة التصوير، فيتخرج الطالب نسخة غير كاملة لاستاذه الذي هو نسخة غير كاملة لاستاذه. والعجيب في هذا الموضوع ان الوثيقة الاصلية ما زالت موجودة وبحالة ممتازة. يقول الله عز وجل: "انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون".

حقوق
عندما تأتي كلمة حقوق في سياق حقوق الانسان فإنه سرعان ما تتبادر الى الاذهان المنظمات الغربية من شاكلة هيومان رايتس ووتش والتي كلما انتقدت سِجِلات وُلاة امورنا في مجال هضم حقوق شعوبها وسحقها، يُحدّثنا هؤلاء الولاة بانها منظمات صهيونية المنشأ هدفها الاول هو نشر الفحشاء والرذيلة في المجتمع وفكفكة الاواشج الاسرية وتقويض الامن الثقافي والعقدي للامة. ان الاكثر فائدة من هذا التضليل، في نظري، هو تجريد الرسالة من الرسول وعزل الحكمة عن الفم الذي خرجت منه وتقييمها لفحواها. ان كلمة حقوق مشتقة من الجذر حق. والحق هو الصواب ومنها كلمة الحقيقة. ان الله سبحانه هو مُبتدأ الحق ومُنتهاه. يقول الحق في كتابه: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

فالحق في الاسلام ان الناس سواسية. والحق في الاسلام ان العدل هو اساس الدين ومقصده الاول. والحق في الاسلام أن الحساب والعقاب مربوطان بحُرية الاختيار فاذا سلبت هذه الحرية لم يبقى للحساب معنى وهدف. فلقد منح الله الحق لكل انسان ان يؤمن بما يشاء فقال تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة". والحق في الاسلام أنّ توريث السلطة بدعة فلم يورث الرسول ولا خلفاؤه الراشدين. قال تعالى مخاطبا ابراهيم: "اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين". ولكنّ رد الملوك والرؤساء الطغاة على لسان علمائهم كان كلمة حق أريد بها باطل فقرأوا على الناس قول الله تعالى: "اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم"، فاستخفوا بالناس فأطاعهم الناس فانطبق عليهم كلام الله في فرعون وقومه. قال تعالى في فرعون وقومه: " فاستخف قومه فاطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين".

ان جل الحقوق والمبادئ التي ينادي بها هؤلاء كانت قد صُدِّرت من عالمنا الاسلامي الى بلاد الغرب فتبنوها ووضعوها في دساتيرهم وربوا عليها براعمهم. اما نحن فلقد دفناها تحت رواسب العادات والتقاليد الممزوجة بنكهة قدسية مصطنعه، فاذا حدثونا عنها بدت لنا كالسحر كما قال كفار قريش، قال تعالى: "ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وانا به كافرون". 

امرأة
تحمل قضية المرأة في مجتمعاتنا المسلمة في ثناياها ابعادا متشابكة. ومن اجل الحياد للحق فاننا يجب ان نؤكد على ان التعنصر ضد المرأة هو مرض عالمي عانت منه وما زالت تعاني نساء العالم في كل اركان المعمورة. فحتى دول الغرب والى زمن قريب كانت تمنع نساءها من المشاركة في العملية الديمقراطية وترى المرأة قاصرة في نظر القانون. إذا فالإشكال في مجتمعنا الاسلامي المعاصر هو اشكال ذو بعدين. البعد الاول متعلق بنزعة الذكر الفطريه لان يطغى على الانثى. والبعد الثاني يتمثل في الحجة الفكرية التي يستخدمها الذكر لتبرير حملته ضد المرأة.

ان من المهم جدا ان تحمل هذه المنظومة العنصرية بعدا فكريا جاذبا للمنطق ومثيرا للعاطفة، والا فكيف لهذه المنظومة ان تُسوِّق اهدافها لرجل ولدته وربّته امرأة؟ والاهم من ذلك هو انه كيف لمنظومة التعنصر ضد المرأة ان تسوق فكرها للمرأة؟! ذلك ان المرأة لها تأثير كبير على النشأ من ذكور واناث. ولذلك فاننا نجد ان المرأة شريك متساوي مع الرجل في التجني على المرأة! وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الأم والخالة والجدة كُنّ ومازِلن يلعبن الدور الريادي في احياء عادة ختان الاناث. وهذا دليل على نجاح هذه المنظومة في تجنيد المرأة لمحاربة المرأة. 

فماذا قالوا لنا إذاً ليُسيّرونا الى هذه الحرب؟ قالوا لنا ان الله جعل شهادة المرأة في امور التداين والبيع بنصف شهادة الرجل، اذا فعقل المرأة أنقص من عقل الرجل. لكنهم لم يذكروا ان الله قد ساوى المرأة بالرجل في التكليف والحساب، فقال جلّ شأنه: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة". وقال جل جلاله ايضا: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى". وبما ان التكليف مشروط بكمال العقل والاهلية فانه لا بد ان نخلص الى ان التساوي في التكليف يستدعي التساوي في العقل والاهلية.

ليس الغرض من هذه الكلمات تغطية كل اطراف هذه المواضيع، وانما المبتغى هو تحفيز القارئ للبحث والنظر فيها بتأني وحكمة وبصدر رحب وعقل مُتفتّح، فهذه ليست الا حافة جبل الجليد. ختاما، أود ان اربط كلمات هذا المقال الثلاث في جملة مفيدة: لن ينال اي فرد من رجل وامرأة في مجتمعاتنا الاسلامية حقوقه وحقوقها التي وهبها الله له ولها ما دمنا عازفين عن إعمال العقل الذي ميزنا الله به عن باقي مخلوقاته. 


No comments:

Post a Comment