Saturday, July 7, 2012

امريكا: سنة حلوة يا جميل


إحتفلت الولايات المتحدة في الرابع من يوليو بعيد مولدها المائتان والسادس والثلاثون. لا يكاد يكون هناك شخص على وجه الأرض اليوم لا يحمل مشاعر إيجابية أو سلبية تجاه امريكا. فمواقف أمريكا السياسية وطول ذراعها العسكرية والدبلماسّية ومقدراتها الماديّة غير المسبوقة وإنتشار ثقافاتها من آداب وفنون وتوغل أساليب حياتها من طعام وشراب ولبس في أكثر مجتمعات العالم إنغلاقا يجعلها طرفا فعّالاً في معظم قضايا العالم وعاملا أساسيا في موازنات اتّخاذ القرار وإطار مرجعيّة تقيس به معظم دول العالم موقعها بين الامم. سوف نقف في هذا المقال عند أهم محطّات تاريخ الولايات المتحدة بدءا بالثورة الامريكية وانتهاءا بالحرب العالمية الثانية.

الثورة الامريكية ١٧٧٥-١٧٨٣
بعد انقشاع الغبار عن المواجهات بين فرنسا وبريطانيا العظمى في امريكا الشمالية لصالح الاخيرة صوّبت بريطانيا انظارها نحو تقوية سلطتها على مستوطنات أمريكا الثلاثة العشر وقامت بفرض ضرائب مباشرة على مواطني المستوطنات. أدّى ذلك الى تملمُل المستوطنين باعتبار ان دفع الضرائب بدون تمثيل في برلمان بريطانيا هو نقص لحقوقهم مما حذى بهم الى طرد المسؤولين الانجليز وتشكيل ادارات حكم محلّي. إعتبر ملك بريطانيا جورج الثالث هذا التحرك تمردا على سلطاته فامر جيشه باستخدام القوة لتأكيد سلطة بريطانيا العظمى على المستوطنات مما حدى بملشيات المستوطنات لاستخدام العنف المضاد للدفاع عن ما يرونه انه حق المستوطنين في تحديد مصيرهم وحكم انفسهم بانفسهم و لتبدأ بذلك حرب الثورة الامريكية. تلى ذلك في العام ١٧٧٦ اعلان المستوطنات الامريكية الاستقلال من بريطانيا العظمى بوثيقة كتبها توماس 
جفرسن وتبنّاها الكونغرس القاري للمستوطنات الثلاثة العشرة وكان مما جاء في الوثيقة: 

"نحن نؤمن بأنّ هذه الحقائق مثبة بطبيعتها: انّ كل إبن ادم خلقوا سواسية، وان لجميعهم حقوقا ربانية لا تنزع ولاتسقط، وان من ضمن هذه الحقوق الحياة، الحرية، والسعي نحو السعادة."

توقيع اعلان الاستقلال - المصدر: مكتبة الكونغرس

انتهت حرب الثورة بانتصار جلي لصالح مليشيات المستوطنات في عام ١٧٨١وتبلورت نتيجتها في اتفاقيّة باريس ١٧٨٣ التي تنازلت فيها بريطانيا العظمى عن دعواها بتبعيّة مستوطنات امريكا الشمالية الثلاث عشر لها.

دستور الولايات المتحدة  ١٧٨٧
بعد مرور اربعة اعوام على استقلال المستوطنات الامريكية، تنامى ادراك لدى الامريكيين بضرورة الدفع بالكنفدرالية التي مهدت للاستقلال نحو اتحاد اقوى بغرض تامين المكتسبات وتحسين ثمار التعاون نحو الكمال للاستفادة القصوى من الطاقات الكامنة التي يتمتع بها العالم الجديد. لاجل ذلك دعى الكونغرس ممثلي المستوطنات الى مؤتمر بغرض وضع وثيقة ترسم هيكلا اداريا لحكومة مركزية قوية تضمن امن وسلامة مستوطنات الاتحاد وتعزز نموها وازدهارها من دون التطاول المفرط على حقوق مواطني الولايات في سن قوانينهم المحلية دون وصاية لصيقة من سلطة مفردة على غرار الملكية البريطانية. حضر المؤتمر ٧٤ ممثلا من المستعمرات كانوا على قدر عالي من الفكر وسعة الافق. نتج عن المؤتمر وما تبعه من حوار وثيقة دستور الولايات المتحدة التي افتتحت بالاتي:

"نحن شعب الولايات المتحدة، من اجل تشكيل اتحاد اكثر كمالا، ولتاسيس العدل، ولتاكيد الطمانينة، ولتوفير مقومات الدفاع، ولدفع الحياة الكريمة، ولتامين بركات الحرية لاجلنا ولاجل الاجيال القادمة، فاننا نؤسس هذاالدستور للولايات المتحدة الامريكية". 

الحرب الاهلية ١٨٦١-١٨٦٥
نشبت حرب امريكا الاهلية بين ولايات الجنوب الاحد عشرة التي اعلنت انسلاخها عن الاتحاد لتكوين الولايات الكنفدرالية الامريكية وبين بقية ولايات الاتحاد الخمسة والعشرين. ادى سعي الحكومة الفدرالية في واشنطن لتقويض العبودية والغاء الرق الى استفزاز الولايات الجنوبية التي كانت تعتمد على الرقيق بشكل اساسي في الزراعة والانتاج، حتى بلغ بهم الامر ان  يهددوا باللجوء الى الانفصال عن الاتحاد في حال فوز مرشح الرئاسة ابراهام لنكولن في الانتخابات حيث وعد الاخير بمحارة العبودية في الولايات المتحدة واطفاء جذوتها فور تقلده مقاليد الحكم. وهذا ما كان، حيث فاز لينكولن بالانتاخابات واعلن الجنوب انفصاله وبالتالي اعلنت الحكومة الفدرالية الحرب لاعادة لم شمل الاتحاد. انتهت الحرب بعد اربع سنوات بانتصار الاتحاد ولكن بعد سقوط حوالي سبعمئة وخمسين الف جندي وعدد غير موثق من المدنيين بالاضافة الى الدمار الكبير الذي لحق باغلب مدن الجنوب الرئيسية. لكن من اهم ايجابيات هذه الحرب ترسيخ الاتحاد وتاكيد ديمومة مبدا الوحدة واما الانجاز الاهم على المستوى الانساني فهو الغاء العبودية واعلان جميع الرقيق مواطنين احرارا بدون قيد او شرط.

الحرب العالمية الثانية ١٩٤١-١٩٤٥
انقشع غبار الحرب العالمية الثانية ليكشف عن وجه النظام العالمي الجديد فعُدّة الولايات المتحدة وعتادها احالوا الامبراطورية اليابانية الى ركام كما ان مقدرة امريكا الفريدة على انتاج الطعام والسلاح بكميات لم يعرف التاريخ لها مثيلا انقذت بريطانيا وروسيا من السقوط فلقد بلغت كلفة المعدات العسكرية والذخيرة التي قدمتها الولايات المتحدة لبريطانيا على سبيل الاعارة او الاجار زهاء الستمئة مليار دولار استغرقت بريطانيا العظمى خمسين عاما بالتمام والكمال لسدادها. نتج عن هذه الحرب تتويج الولايات المتحدة كقوة عظمى، واعادة مَنْهَجَة السياسة الامريكية الخارجية بإتّجَاه الانفتاح نحو العالم وبداية مسلسل تمدد اخطبوط الآله العسكرية الامريكية في اركان العالم بإسم الدفاع عن الديمقراطية والحرية.

حركة الحقوق المدنية  ١٩٥٠-١٩٦٨
رغم أن الحرب الاهلية نجحت في الغاء العبودية الا انها خَلّفَت ثقافة جديدة أدّت الى رسم فاصل طبقي جعل من السود مواطنين من الدرجة الثانية في الولايات الجنوبية. حرصت الولايات الجنوبية على تعزيز هذا الفاصل عن طريق سن القوانين التي تعرقل تقدم السود وعزلهم عن العملية السياسية بطريق تعسير اجراءات الانتخاب.  في الاوّل من ديسمبر ١٩٥٥ رفضت الناشطة الحقوقية السوداء روسا باركس إخلاء مقعدها على باص النقل العمومي في مونتجمري الاباما لرجل ابيض. ادّى ذلك الى اعتقالها من قبل الشرطة ومحاكمتها بتهمة مخالفة القوانين المحلّية للولاية التي تنصل على اولوية الجلوس في مقاعد المواصلات لذوي البشرة البيضاء. ادّى موقف روسا باركس الى 
روسا باركس 
مقاطعة السود للمواصلات العامة في مونتجمري لأكثر من ثلاثمئة يوم مما اضطر السلطة المحلية الى الغاء قانون الفصل العنصري في المواصلات العامة. كانت هذه نقطة تحول في استراتيجية الامريكيين الأفارقة لنيل حقوقهم المدنية اسوة بمواطنيهم من ذوي البشرة البيضاء فرشحت حركة الحقوق المدنية من المحاكم والطعون الدستورية الى الشارع عن طريق العصيان المدني والاعتصامات والمقاطعة. كانت اهم ثمار حركة الحقوق المدنية اجازة الكونغرس قانون الحقوق المدنية لعام ١٩٦٤ وما تبعه من قوانين في الاعوام اللاحقة لتفسح المجال بعد اربع عقود لتسلم رجل اسمر البشرة رئاسة الولايات المتحدة الامريكية.


No comments:

Post a Comment