Sunday, July 27, 2014

تجميد دين: تعطيل امة

لا اعتقد انه من الصعب الربط زمنيا بين تاخر الامة الاسلامية انسانيا وفكريا وتقنيا وثقافيا وبين الركود الذي اصاب العلوم الاسلامية في يوم من الايام. في ذلك اليوم قرر بعض علماء الدين ان يتحولوا من مفكرين وباحثين الى كروت ذاكرة (memory card). يحفظون الايات والاحاديث وكتب السلف حرفا بحرف. فاذا سالت احدهم في
مسالة يقول لك قال الشيخ فلان كذا وقال الامام علان كذا. فاذا سالته عن رايه هو فسينظر اليك كانما اصابته صاعقه او راى شبحا. والانكى ان فلان وعلان يكونان قد ولدا وماتا حوال عام ١٣٠ للهجرة! 

والسؤال هو: لماذا تحولت العلوم الاسلامية من مجال حيوي نشيط ومتجدد خلال الثلاثة قرون الاولى بعد الهجرة الى مستنقع راكد؟ هل يكمن السبب في طريقة التلقين والحشو التي درس بها اغلب هؤلاء العلماء؟ ولكن ولنكون منصفين فان طريقة الحشو في التدريس هذه لا تقتصر فقط على العلوم الاسلامية، ولكنها تنال من جميع مجالات العلوم ادبية وتقنية. وليس هذا بالامر المستغرب ففي كلا الحالتين النتيجة واحده: تاخر وجمود في كلا المجالين. لكن السؤال هنا يكون: هل كانت هذه الفلسفة التعليمية نتيجة لسياسة متعمدة حفزها الخوف من انتشار البدع وتشوه عقائد الناس وميلانها عن الايمان الصحيح؟ ام ان طريقة الحشو هذه هي نتيجة لعدم اهتمام القائمين بالتعليم بتحديثه ليواكب المتغيرات في العالم من حولنا؟

ان من المخجل جدا للمسلم ان يعلم بان بعض هيئات علماء المسلمين ما زالت تبحث في مواضيع مثل موقف الاسلام من استخدام تقنيات الحمض النووي. اما في ما يتعلق بمواضيع مثل الردة فحدث ولا حرج، واذكر مسرحية الام السودانية مريم يحيى ابراهيم مثالا. والخجل هنا لا ينبع من اهتمامي براي غير المسلمين في عقيدتي فانا اعلم انهم لن يرضوا عني حتى اتبع مللهم. ولكن الخجل ينبع من احساس داخلي باننا كامه قد قصرنا في حق الله عندما وضعنا دينه في الفريرز بدل ان نطلقه لينير الدنيا بمبادئه وقيمه السمحة. 

ويبقى الامل في ان تندثر هذه المجموعة من علماء الحفظ ويستبدلوا بعلماء الكتاب والحكمة. فلقد دعى ابراهيم عليه السلام ربه فقال عن امته كما جاء في القران الكريم: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم اياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم (البقرة ١٢٩). ولقد قرنت الحكمة بالكتاب في مواضع شتى في القران لان الهدف من تنزيل الكتاب هو ليس الحفظ والتسميع وانما الهدف هو الفهم على اساس مدخلات الزمان والمكان، ثم التطبيق بما يخدم مقاصد الدين. 

ملاحظه: ليست هذه الكتابه تعميم مطلق. كما أنها ليست نابعه من غبن تجاه أحد وانما من رغبه صادقه في مراجعه جذريه لمناهج واساليب التلقين في المدارس الدينيه. فدور علماء الدين محوري وأهم من أن يترك لينقرض نتيجه عجزه عن النمو.

Sunday, July 20, 2014

غزة: ثم ماذا بعد هذا؟


لا اعلم يقينا ماذا يجري وراء جدار غزة الاسمنتي، ولا استطيع ان احلل باي قدر من الدقة الوضع الراهن في القضية الفلسطينية، ولكنني اجرء ان اعلق على موقف السودان من هذه المعضلة. مما لا شك فيه ان ثمة حقوقا قد سلبت وان هنلك دماءا مازالت تراق وان اوضاع اهل غزة بعيدة كل البعد عن ان توصف بالانسانية. نقطة. 

لقد تربينا في العالم العربي على ان القضية الفلسطينية هي القضية الاولى والاهم بالنسبة لنا كعرب، واتفقنا على هذه النقطة رغم اننا اختلفنا في الزاوية التي نظرنا منها الى القضية: فهناك القوميون الذين يرون ان هذه القضية تتمثل في ارض عربية قد سلبت، وهناك الاسلاميون الذين يؤمنون بان بيت المقدس هو ملك للمسلمين، وهناك الانسانيون الذين يستنكرون انتهاكات الحق الانساني في الحياة الكريمة. وبالتاكيد فان هناك أيضا التجار من السياسيين الذين يشترون بهذه القضيه ولاء الناس البسطاء واذعانهم.  

وقد تبلورت هذه المواقف في الدول العربية الى افعال ادت الى خسائر مادية ومعنوية نجمت عنها هدنات غير معلنة في بعض الاحيان (دول الخليج مثلا) ومعلنة في احيان اخرى (مصر والاردن مثلا). والسبب ان هنالك قناعة قد ترسخت بان الصراع مع اسرائيل غير متكافئ وان القضية يكون حلها اما عن طريق تبادل المصالح مع اسرائيل من اجل كسب اوراق ضغط لصالح التفاوض الفلسطيني، او عن طريق التنمية والبناء من اجل خلق تكافؤ عسكري مبني على اقتصادات قوية.  الا انه في نظري فان البلد الوحيد في العالم العربي الذي لم يصل بعد لرؤية استراتيجية حول موقفه من القضية الفلسطينية هو السودان. ففي الوقت الذي نما فيه فكر اغلب اطراف القضية، قبع السودان يراوح مكانه في ما يخص هذا الاشكال.

وليس هذا بالمستغرب كليا، فهناك من يقول بان السودان ومنذ الاستقلال لم يخطو قيد انملة الى الامام في اي من مجالات التنمية البشرية والاقتصادية والثقافيه والفكريه، ويستشهدون لحديثهم هذا بتهدور مشروع الجزيرة وموت السكة حديد وسقوط سودانير وترهل الفنون والاداب. ورغم انني ارى ان هذا الرائ فيه شيئ من التطرف الى انني ارى فيه بالمقابل شيئ من الصحة. 
مع كل الحب لاطفال غزه..ماذا عن أطفالنا؟

ومع تكرار ماسي موت النساء والاطفال في غزة عاما بعد عام، ومع ثبوت فشل نظرية المواجهة، فاننا لابد من ان نتوقف لمراجعة استراتيجياتنا في التعامل مع القضية الفلسطينية. وبما اننا سنتوقف لنفكر ونتامل، فربما كان من الحكمة ايضا ان نقف على قضايانا نحن في السودان ايضا فالاقربون اولا بالمعروف! ولا اظن ان يغيب عنكم ان في السودان مناطق يعاني سكانها من انعدام الامن والتنمية اكثر من معاناة اهل غزة. قال تعالى: اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم.  


ملاحظة كروية: الذين اعتدوا على عثمان ميرغني بالضرب لمجرد انه ابدى رايه هم اكبر مثال على مدى تدهور المستوى الفكري في السودان. (١-٠) لصالح القائلين بان السودان اسوا مما كان عليه في يوم الاستقلال.