Saturday, March 16, 2013

المال والبنون


قد افهم لماذا يسرق من يسرق، فغريزة البقاء تسبق فطرة حسن الخلق. فاذا ضمن الانسان بقاءه، التفت الى تحسين وضع بقاءه. ومثال ذلك ان من لايملك طعاما فانه يبحث عن كسرة خبز. اما الذي عنده كسرة خبز فيريد مرقة خضار يغمس فيها الكسرة. ولكن مرقة الخضار ليست كمرقة اللحم فالدسم يضفي نكهة ويمنح الاحساس بالشبع. فاذا ضمن الواحد الخبز الطري الطازج واللحم الهش السمين بحث عن الفرشة المريحة ذات الحشوة السميكة والبطانة المنجدة فالنوم على هذه اهنأ واعمق من النوم على الفرشة الصلبة الرديئة. وبعد ان يتمكن الواحد من مأكله وفرشته، فانه يلتفت الى ملبسه وهيئته، فاللباس هو عنوان الانسان ومبتدأ تقييم العامة لشخصه، فان كانت هيئته محترمه احترمه الناس ولو لحين، ولو كانت هيئته خلاف ذلك ترفع عنه الذليل قبل العزيز. وبعد اللبس الحسن تأتي الدار الحسنة ومن ثم السيارة الفارهه ويعقب كل هذه كنتيجة حتمية الزوجة جميلة الوجه رفيعة القوام بنت الحسب والنسب. فمن لم ينل كل هذا بالحلال فان الشيطان يزين له ان يناله بالحرام. وبما ان بعض ابن آدم اضعف من بعض فان الضعفاء سينزلقون على منحدر الخطيئة الذي اعلاه غريزة البقاء واسفله الحب في الزيادة. لذلك افهم لماذا يسرق من يسرق.

وقد افهم لماذا يزني من يزني. فغريزة بقاء النوع لا تعلو عليها الا غريزة بقاء الفرد. فاذا بقي الفرد هم على ابقاء النوع. وقد سهّل الخالق آلية التناسل وجعلها بديهية بداهة الاكل والشرب فهي لا تتطلب ذكاء او حنكة ولا تشترط خبرة او مؤهلا علميا لجني ثمرها. وبخلاف غيرها من الغرائز فان غريزة النكاح تؤتى لذاتها او لمقصدها-اي التناسل، او لكلا الغرضين معا. فهي اذا بذلك فطرتين في فطرة واحدة، فيها الشق الذي يلبي حوجة الفرد في التواصل والتوادد والتراحم، وفيها الشق الذي يلبي حاجة الجماعة في البقاء والنمو والديمومة. ولكن رغم ان الخالق يسرها واسس لها كل ما يدفعها من اعضاء وهرمونات، قامت المجتمعات بتقويضها وتكبيلها بخلاف ما شرعت الاديان فجعلت الزواج امرا عسيرا صعب المنال وطوقته بالطقوس والتقاليد الشاقة المرهقة للبدن والذهن والجيب. وبين الترغيب الرباني والترهيب المجتمعي يسود الارباك وتعم الفوضى. اما الارباك فمرده السير على حبل الموازنة بين متطلبات الروح ورغبات الجسد، واما الفوضى فهي نتيجة الضبابية التي تعكر الفكر بعد ان يتشبع بهرمونات التستوسترن والاستروجين والبروجستيرون. لكل هذا افهم لماذا يزني من يزني. 

لكن ما لا افهمه: لماذا يتعدى البعض على دور الاخرين في شبابيك الخدمات الحكومية؟ 

Sunday, March 10, 2013

نقطة نظام حول عملية اسقاط النظام


ادى اسقاط النظام في دول الربيع العربي الى نتائج متباينة في المدى القصير، حيث حظيت تونس بافضل هذه النتائج بينما حصدت سوريا نتائج كارثية. ان على الشعوب التواقة للتغيير ان تدرس هذه التجارب وتشخص نتائجها على المديين القريب والمتوسط حتى تستطيع ان تكرر الايجابيات وتتفادى السلبيات التي افرزتها هذه التجارب. وبما ان عبارة اسقاط النظام كانت هي شعار الربيع العربي ومختصر اهدافه فانه من الواجب الوقوف عندها وفهم ما يقصد بها واستيعاب ما لا يقصد بها.

ما هو النظام
ان لكلمة النظام معنيين متوازيين ولكن ليسا متطابقين. اما المعنى الاول فهو الالية والطريقة التي تؤدى بها عملية معينة (System, Regime). ومن ذلك نقول نظام تشغيل الحاسوب او الهاتف الذكي. اما المعنى الثاني فهو ما ينتج من تطبيق للقوانين والضوابط بحيث تسود الطاعة ويعم الخضوع (Order). ومثال هذين المعنيين في الدولة الحديثة هو ان المجلس التشريعي يسن القوانين والشرائع التي تبين نظام الدولة (System) وتشرح تفاصيله، ومن ثم تقوم الشرطة بفرض هذه القوانين بالقوة حتى يعم الاستقرار والنظام (Order). 

من هو النظام
ان كلا المعنيين السابقين ليسا اكثر من صورة تجريدية للنظام لا توضح معالمه الكمية ولا ترسم الحد الفاصل  في العلاقة بين الفئات التي تشرع والفئات التي تخضع  للتشريع. فمن الممكن جدا ان ثقافة وطبائع الفئات التي تطيع هي التي تشكل الافكار والمبادئ التي تنطلق منها الجهات التي تشرع. بل ان هنالك ادلة قاطعة على ان سلوك اولياء الامر في مؤسسات دولة ما يتطابق مع سلوك الاباء والامهات في منازلهم ومع سلوك المعلمين في مدارسهم وجامعاتهم. والسؤال المهم هنا هو عن اتجاه سهم التاثير بين الحاكم والمحكوم: هل يشير للاعلى ام للاسفل؟ سوف يقول المتفائلون ان سلوك الحاكم ينعكس على المحكوم، وسوف يقول المتشائمون عكس ذلك. والصواب في رايي ان للسهم اتجاهين اقواهما تاثيرا هو ثقافة المحكوم على الحاكم، فالحاكم ولد وتربى بين ثنايا المجتمع في يوم من الايام.  

نظري ام تقني؟
ولو اتفقنا انه لابد لشيئ ما ان يسقط حتى ينصلح الحال فانه وجب علينا ان نمعن مليّا في الخيارات المتاحة داخل خيار اسقاط النظام. ان أحد هذه الخيارات يتعلق بالمبدأ الذي يحفز اسقاط النظام: هل المحفز لاسقاط النظام مبدأ ايديولوجي يدعو لمسح وطمس فكرة النظام القديم وكل ما التصق بها من مؤسسات وافراد مؤمنين بها ومنافقين لها؟ ام ان مبدا اسقاط النظام يرتكز على هدف التغيير للافضل وان اسقاط النظام هو السبيل والوسيلة للوصول لهدف التغيير؟ بمعنى آخر: هل اسقاط النظام هو الغاية ام الوسيلة؟ إن تَبَني اسقاط النظام كغاية في اي من مراحل العملية يُحتّم وقوع افعال ترمي الى تطهير الدولة من بقايا النظام ولكنها بالمقابل تعطل فرص الوطن في التقدم نحو مستقبل افضل. واحد اسباب هذا التعطيل هو ان خوف البعض من المحاسبة لصلتهم بالنظام القديم يؤدي بهم الى مُمانعة التغيير والى التآمر ضده. وخلاصة القول هنا هو ان الخلط بين الغاية والوسيلة يؤدي الى تضارب الاولويات وخفوت صوت الحلول العملية امام اصوات المطالب النظرية. 

ماذا يسقط وماذا يُرمم؟
 لقد كان راى بعض الشعوب التي اسقطت انظمتها هو ان جميع مستويات الحكم والادارة فاسدة حتى النخاع ومن ثم استنتجوا ان كلا وجهي عملة النظام (الُمشرّع والمُنفّذ) لا بد ان يسقطا. ولكن غاب عن بال هؤلاء وسط زحمة الاحداث والتهاب المشاعر، غاب عنهم نقطتين محوريتين: اما النقطة الاولى فهي ان الجهات المنفذة رغم فسادها وبطشها فانها الحاجز الأساسي بين الفوضى والنظام بغض النظر عن اعوجاج هذا النظام، وان مقابل كل سجين رأي فان هنالك مئات السجناء من العابثين بسلامة وبممتلكات الوطن والمواطنين. واما النقطة الثانية فهي ان الجهات المنفذة تمد يدها بقدر ما شرّع لها المُشرّعون، فان صلح التشريع صلحت وان فسد فسدت.

ما لايُدرك جُلّه لا يُترك كُلّه
من المهم جدا ادراك ان تاثير المحكوم على المُشرّع يزداد قوة كلما اقترب تطبيق الديمقراطية من الكمال، فالديمقراطية البحتة تقول بان لكل شخص صوت في كل تشريعات الدولة. ومن هذا المنطلق فان اعداد المواطن لتحمل مسؤولية الديمقراطية هو باهمية اقامة الديمقراطية ذاتها. لقد ادّت الرغبة غير المساومة في اسقاط النظام الى تكاسل البعض عن العمل في المجال الطوعي والخيري لرفع وعي المواطن وتثقيفه بواجباته وحقوقه وتحفيزه للسؤال حول وضع الوطن الحالي والمشاركة في الاجابة على اسئلة المستقبل. إن معالجة طرفي التاثير من الاعلى والاسفل بالتوازي والتوازن هي الضمان الافضل لديمومة التغيير واسقاط النظام (System) اسقاطا لا يسقط منه النظام (Order).