Thursday, November 22, 2012

إعصار ساندي والمجتمع السوداني غير العادي


حدثني صديقي ن.أ.ن بانه ذهب لحضور حفل زواج في ولاية بنسلفانيا بالقرب من الحدود مع ولاية نيوجيرسي التي كان الاعصار ساندي قد ضرب شواطئها قبل ايّام قليلة، فاغرق المُدن الساحلية وأدّى الى تعطيل الخدمات من مواصلات وكهرباء ومياه جارية. كما حدثني ان الفندق الذي نزل به قد اكتظّ بالافراد والعائلات ممن دُمِرت منازلهم او تلفت خطوط امدادهم بالكهرباء وغاز التدفئة مما اضطرهم الى البحث عن مأوى من البرد القارص. وحدثني بان هواتف الفندق ما برحت ترن حيث حاول الألوف البحث عن غُرف شاغِرة تأويهم وتأوي مُمتلكاتهم الى حين، ولولا أن صديقي حضّر لاقامته منذ اسابيع لما استطاع هو الآخر ان يجد غرفة يبيت فيها.

ولما سألت عن حال ابناء وبنات الجالية السودانية في نيوجيرسي، علمت منه ان منهم من فقد الخدمات ايضا ولكن الذين تضررّت منازلهم نزلوا عند من لم تتضرر منازلهم وبالتالي فانه لم يوجد سوداني اقام في ملاجئ الحكومة او في مخيمات الصليب الاحمر كما حدث للكثيرين من مواطني نيوجيرسي الذين لم يتيسر لهم إيجاد غرفة خاصة في فندق او نُزُل. خطر وقتها في ذهني انني كنت من أشّد المنتقدين لكرم السودانيين الُمفرِط حيث ياتي احدهم من القرية ليقيم في المدينة مع معارف بعيدين لمُدة ايّام او اسابيع بينما يؤدّي غرضه في المدينة سواء كان الغرض علاجا او إستخراج اوراق رسمية. وما لم احسب له حسابا هو ان الفندق هو خِيار المُستطيع وأن النزول في بيت الغير سببه الاضطرار وليس الاختيار. 

إن التكافل الاجتماعي يبدو تعديا على المساحة الشخصية وانتقاصا من استقلالية الفرد عندما يكون الانسان صحيح الجسم ممتلئ الجيب قادرا على إعالة واسكان نفسه بنفسه، ولكن عندما تنقص الاموال والانفس والثمرات فان التكافل الاجتماعي يصبح سندا للفرد وعونا للبقاء والنمو. لقد غيرت "ساندي" نظرتي لبعض عادات المجتمع المزعجة، فتحولت في نظري الى ما يُمكن تشبيهه بحزام الامان، يضيق بمرتديه ويضغط على صدره وعنقه في أغلب الاحيان ولكنه يُنقذ حياته اذا حدث ما لم يُحسَب له حِساب. 

Thursday, November 15, 2012

كيف نفك إحتكار الاسلاميين للاسلام



بما ان حديث الساعة هو التغيير وبما ان الربيع صار فصل السنة المُفضل في السودان رغم ان السودان به فصلان فقط (صيف وخريف)، فانه لا بد من تكثيف النقاش حول ماهية التغيير وحول ما نرجوه من الربيع المأمول. صرّح مستشار رئيس الجمهورية نافع علي نافع قبل ايام قليلة بأنهم (يقصد ثورة الانقاذ) لم ياتوا لتعدين الذهب ولا لضخ البترول وانما جاؤوا ليُطبقوا الشريعة. ثُم بعد ذلك بأيام إنعقد في الخرطوم المؤتمر الثامن للحركات الاسلامية، وكان في الحضور مُمثلوا احزاب النهضة التونسي والعدالة المصري وحركة حماس، وكل هؤلاء اسلاميون تقلدوا حكم بلداهم  بطريق صندوق الانتخاب الحر.

ان مما لا شك فيه ان الاسلام اليوم هو نكهة الموسم المُفضلة وموضة العصر بلا مُنازع، فلقد ظل الاسلاميون ولعقود طويلة يعرضون فكرة الاسلام كبديل فخطبوا في المنابر وكتبُوا في مساحات الرأي وناقشوا رؤيتهم في المؤتمرات والوِرش. سنحت فرصة انقلاب ١٩٨٩ لإسلاميّوا السودان تطبيق نظريّاتهم فحققوا نجاحات متواضعة طغت عليها إخفاقات عملاقة. وعلى الرغم من الحصيلة السالبة في الاجمال فإنّ اسلاميوا السودان ما زالوا يتمتعون بقدر من التعاطف. إن كلمة "التعاطف" هنا هي أدقّ وصفا من كلمة "الشعبية"، فالتعاطف ينبع من افتراض النيّة الحسنة وتقدير الجهد بغض النظر عن النتائج. بدا هذا التعاطف جليّا عندما اعطى اغلب المُصوّتين في انتخابات ٢٠١٠ أصواتهم لعمر البشير مبررين بانه نظيف اليد ومخلص في العمل ولكن الحاشية التي تحيط به هي سبب كل البلاء، فكان هذا افتراض حسن النية وتبرير سوء النتائج. 

ان احد اسباب "تعاطف" بعض شرائح المجتمع السوداني مع حكومة المؤتمر الوطني نابع من قناعة هذه الشرائح (وهي شرائح ذات وزن لا يمكن تجاوزه) بان المؤتمر الوطني يضع تطبيق الشريعة الاسلامية في اعلى سُلم اولوياته. فالمسلم يؤمن بان شريعة الله هي أخْير دستور وافضل منهاج للحياة العامة والخاصة على حد سواء. ان اقوى حجة يمكن ان يتسلّح بها مرشح سياسي هي الدين والتقوى كما أن اقسى نقد يمكن ان يصيب مرشح سياسي هو إتهامه بالسعي لاسقاط الشريعة واستبدالها بالعلمانية والاباحية. لقد كانت هاتين النقطتين درع وسيف المؤتمر الوطني في انتخابات ٢٠١٠، بل وظل الرئيس وحاشيته يستخدمون هذا السلاح كلما ازدادت الضغوط الداخلية والخارجية. ليس هذا السرد هو غرض هذا المقال فهذا كله بديهي، ولكن السؤال الذي حفز الحديث هو عن كيفية فك احتكار المؤتمر الوطني لماركة الاسلام.

ان مما لا شك فيه في السودان اليوم هو ان حامل كارت الشريعة هو الكاسب في طاولة السياسة. ان السؤال هنا يكون: كيف نكسر احتكار المؤتمر الوطني للشريعة؟ تقول احد وجهات النظر بان سحب بساط الشريعة من تحت اقدام هؤلاء يتأتى باتباع استراتيجية ذات مديين: اما المدى الاول فهو فكري ويهدف منه لفت انتباه الناس الى ان الشريعة التي تطبقها (او لا تطبقها) الحكومة اليوم هي ليست الا ذرّا لرماد الجزئيات في العيون على حساب إهمال ثوابت الشريعة الكلية التي تدعو الى حفظ النفس والعقل وكرامة الانسان. ان هذا الجُهد بحاجة لتفاكر جاد حول الأبعاد الحقيقية للشريعة، ودراسة اصولها ومبادئها والتبحّر في علومها ومن ثم نقل هذه المعرفة وتوصيلها الى عامة الناس باسلوب سهل وبسيط. اما البعد الثاني لهذه الاستراتيجية فهو سياسي يقوم على تبني الشريعة كمقاصد وليس كاحكام. فمقاصد الشريعة عالمية لا تتعارض مع احدث القوانين الدولية، والاهم من ذلك انها لا تتعارض مع ثوابت الدين واسسه. أمّا أحكام الشريعة فهي اجتهادات فيها اراء تتراوح بين المذاهب ومنها المتشدد ومنها السهل، فكيف نجعل من راي مذهبي ثابتا دستوريا دون الرأي الاخر؟

ان السبيل الوحيد لفك احتكار المؤتمر الوطني لشعار الاسلام هو بيان ان الشريعة هي شريعة الله وليست شريعة حزب أو جماعة، والدليل الحي المُعاش هو ان أصبح الفساد اليوم احد اهم انجازات حكومة الشريعة! فلو كنت ايها الناخب تريد شريعة نافع فهو مرشحك، وان كنت تريد شريعة السماء فالمؤتمر الوطني ليس وكيلا معتمدا لله و شريعته.  كما ان المواطن يجب ان يحاط علما بان المبادئ الكلية للشريعة كحقن الدماء هي اولوية فوق الجزئيات كملاحقة مرتديات بناطلين الجينز، وان الجزئيات هي اجتهادات تُطرح للنقاش والتفاكر وتُطبق وفق القانون المُجمع عليه بدون تفريط او إفراط. ان خلع قناع الشريعة من وجه المؤتمر الوطني سوف يظهر الوجه القبيح لهذا الكيان أمام عيون الناس، ولكن هذا لن يحدث الا عن طريق التوعية بمعناعي الشريعة الحقيقية وتبني مبادئها ومقاصدها.