Friday, June 29, 2012

جُمعة تبّاً للعولاق والبشتنة


دَرج المُغرّد المحبوب اسعد محمد () على التَعْليق على المظاهر السالبة والمفارقات المضحكة المبكية التي يعايشها كل يوم في السودان مستخدما عبارة الهاشتاق "تبا_للعولاق_والبشتنة". لقد شهدت الساحة السودانية منذ اندلاع "الانتفاضة" الأخيرة الكثير من اللحظات التي تستحق هاشتاق العولاق. كان أبرز هذه اللحظات إستخدام الرئيس عُمر البشير مُصطلح شُذاذ الآفاق في وصف المتظاهرين.

 وكان منها خروج أكبر مظاهرتين في جمعة لحس الكوع من مسجدي سادة الأنصار ومولّانات الميرغنية وتَقدُّم السيد الصادق المهدي حشد المطالبين بإسقاط النظام في حين أن كرسي إبنه المستشار في القصر الجمهوري ما زال دافئا فلم يتركه إلاّ بعد أن نال من منصبه فأس الإجراءات التقشّفية! وينطبق هذا التعليق على نجل مولانا الميرغني أيضا.

وأمّا ما يستحق هاشتاق العولاق بجدارة فهو أسماء جُمُعات الانتفاضة فسُميّت الأولى بجُمعة  الكتّاحة إرهاصاً بأنّ الكتّاحة سوف تعصف بالقصر الجمهوري وتحيله الى رُكَام. ورغم أننّي لستُ من خبراء الارصاد الجوّي إلاّ إنّني لم أسمع بأنّ كتّاحة رمت قطية او جهجهت حائط جالوص فالكتاحة بطبيعتها حنينة لا حول لها ولا قوة. وإنّ أسوأ ماتخلّفهُ وراءها هو التعب الذي يلحق بربة المنزل من قش للحيشان ورش للحيطان. واذا كان الهدف التسمية بظاهرة فتّاكة فإن إسم جُمعة بَلاّعَات الخرطوم المكشوفة سوف يثير الرعب في النفوس، فبحسب علمي انّ بلاّعات الخرطوم تكسر أضلاعا اكثر من الكتاحات وتبتلع سيّارات برُكّابِها! 

وأمّا جُمعة لحس الكُوع فلقد أحزنني أنّ مقولة سوقية قديمة عفى عليها تتابع الأحداث لشخص عُرِف عنه الجلافة والحدة وطول اللسان يَأخذ بها رُوّاد الثورة من المثقفين والمبدعين فيجعلوها رمزاً ليوم نضالهم ليختزلوا بذلك النضال في تصفية حساب شخصي مهمشين بذلك الرسالة الأساسية التي كان يفترض أن تدعوا المواطن لبناء وطن يكون فيه الفقر غريبا والجوع تاريخا. ولو أن شباب الثورة المصرية سَمُّو جُمعاتهم على هَضْرَبَة حُكّامهم لكانت جمعة الإرهاب والكباب ولسمّا الليبيون جُمعتَهم جُمعَة المساطيل ولخرج السوريون في جمعة أصدقاء العدو الصهيوني! 

كتبت هذه الخاطرة إستباقاً لجُمعة مُلاح أُم رُقيقة بإعتبار أنّ الحزب الحاكم إلتصق بكرسي الحكم كما يلتصق المُلاح بيد غارفه! ولن أستغرب لو حدث هذا فبلدٌ يحتاج لثلاثة ثورات شعبية في غضون أربع عقود ليَنصْلِح حَالُه يستطيع أن يحطم جدار اللا معقول دون أن يتصبب عَرقُه.   

Wednesday, June 27, 2012

لا بد من ثورة فالثالثة ثابتة

زبدة الكلام: لا بُد من ثورة ثالثة في السودان حتّى يترسّخ الدرس بأن الثورة السياسية ليست بديلا للثورة الاجتماعية.


حُجّة القاعدين
بعد تأمّل وتدبّر عميقين وصلت أخيرا إلى قناعةٍ راسخة بضرورة إحداث انتفاضة ربيعيّة في السودان. لم أصل الى هذه القناعة عن طريق مُناشدات شباب الثورة فالمسافة بين سلامة منطقهم وبين الحقيقة في نظري هي نفس المسافة بين الحقيقة وبين مَنطق المنادين بالتَرَوِّي والتَأنِّي فلِكُل طرف حُجَج وبراهين تستعصي على الطرف الآخر. فالُمنادون بالثورة يُصِمّون آذانهم كُلّما أُخرِج كَرْت سؤال البديل غير مُدركين أن تَجاهُل السؤال هو موافقة ضمنية على أصالة السُؤال وإقرار بتعقيد جوابه. أضف إلى ذلك هشاشة وضع السودان في وجه العِصيان المسلّح على الحدود وضبابية العلاقة بين السودان وجنوب السودان. ورغم أنّ سبب هذه الهشاشة هو النظام الحاكم نفسه إلّا أنّ هذا الإدراك لا يُغيّر مِن واقع الحال على الأرض. 


 حجّة الثوّار
ولكن بالمُقابل فإنّ الحقائق تقول بأن حال الوطن يترنّح بين سيّئ وأسوأ منه. فالتدهور الاقتصادي المريع وتقصير أولياء الأمور في حسم ملفّات إتّفاق السلام الشامل ومِحنة دارفور وشُيوع الفساد المالي وعجز الرؤية الاستراتيجية أيّاً مِنها كفيلٌ بإقناع أكثر المُشككين تشدُّدا بضرورة إحداث تغييرٍ شامِل في جميع أُصول الدولة وفروعها. كما أنّ رئيسا مطلوباً للمُثول أمام العدالة الدولية لا يعدوا أن يكون عالة على شعبه فالعزلة التي صاحبت نكبة دارفور لا يدفع ثمنها إلّا عامة الشعب. وكان الأحرى برئيسنا أن تدفعه  شهامته، او "جَعْلَنَتُه"، للتنحّي من أجل مصلحة أبناء وطنه.


نصيب السودان من أنظمة الحكم
وبينما بندول عقلي يترنّح بين حقائق جفاف حوض الوطن من "البديل" بسبب التصحر الفكري وبين حُلكة النفق الذي قادنها اليه حُكّامنا، وُلِدت فكرة رجحّت كفّة الثورة بما لا يدعُ مجالاً للشكّ. لقد كانت حجتي لصالح القعود عن إسقاط النظام مبنية على دروس تعلّمتها من تاريخ السودان المعاصر. تقول الحُجّة بأنّ السودان نال حظّه مِن تقلّب أنظمة الحُكم بشتى ألوانها على امتداد خمس عقود فكانت الديمقراطية الأولى ثم الدكتاتورية الأولى ثم الانتفاضة الأولى التي مهدّت للديقراطية الثانية ثم الدكتاتورية الثانية ثم الانتفاضة الثانية التي أفضت إلى الديمقراطية الثالثة ثُم إنقلاب الإخوان المسلمين الذي بدأ دكتاتورياً ثُم إنقلب ديمقراطياً على الورق في ٢٠١٠ أو كما قال المُراقبون الدوليّون. وفي خِضَمّ هذه المعمعة ذاق السودان جميع نكهات أيديولجيات الحكم من رأسمالية وشيوعية وأسْلَمَة وعَلْمَنَة.


الدكتاتوريات والديمقراطيات
أمّا الدكتاتوريات فلقد فشلت جميعها جملة وتفصيلا، وأمّا الديمقراطيات فقد خسرت تعاطف الناس معها فلم يبكِ عليها إلّا أعضاءُ أحزابها عندما أُجْهِضَت وكأنّ لسان حال الناس يقول: ليست الديمقراطية لذاتها الفلسفيّة وإنّما لما تنتجه من إعمار وتنمية وحفظ للحقوق. إنّ فشل الدكتاتوريات في السودان ليس مرتبطا تلقائيا بفكرة الدكتاتورية كمنهج عام فدول الخليج والصين أمثلة لدكتاتوريات ناجحة إذا كان مقياس النجاح هو معدل التنمية البشريّة والرخاء الإقتصادي. وبالتالي فإنّه يُمكن القول بأنّ فشل دكتاتوريات السودان هو مرتبط بخصوصية السودان عن غيره من الدكتاتوريات. وأمّا فيما يتعلّق بفشل ديمقراطيات السودان فهذا أيضا يمكن ربطه بخصائص ينفرد بها السودان تُميّزه عن الديمقراطيات الناجحة.


العامل المشترك الأكبر
هناك قناعة راسخة لديّ ولدى الكثيرين بأنّ أسباب فشل جميع محاولات الحُكم السابقة هي خصال متجذرّة في كيان المجتمع السوداني وأنّ مصير أيّ مُحاولات تالية سيعتمد على مدى مقدرتنا على حسم العامل المشترك بينها وبين سابقاتها. إنّ حصر هذه الخصال في هذه المساحة الضيّقة لن يكون سوى إستخفافٍ بها وتهوينٍ لحجمها كَمّاً ونَوعَاً. وبِما أننّي ذكرت الإستخفاف فإنّ من المناسب ذِكْرُ أنّ هذه الخِصلة هي أحد عاداتنا السالبة التي تدفعنا الى تَرجُّل الأشياء ونُقصَان العَمل وإهْمالُ تَحرّي الإتقان والدقّة في الأداء والتنفيذ. وبِما أنّ التنفيذ هو آخِر العَمل وجب ذِكْرُ أنّ فقر التخطيط وإنعدام ثقافة الإعداد السليم قبل بدأ العمل هي سِمَات نراها أينَما وجهّنا أنظارنا، ولا يقتصر هذا الضعف على العمل الحكومي وحسب وإنّما يمتدُ لِيشمَلَ جَميعَ مَناشِط الحَياة في السودان.


التِكرار يُعلّم الشُّطّار
لقد كان كُلّما نبّه الناشطون الإجتماعيون إلى ضرورة الإلتفات إلى تَوعيةِ المُجتمع وتقويم النشأ حتى تتشكّل قاعدة تقوم عليها أعمدة التنمية إلتفت الناشطون السياسيون ناحية  النظام القائم لتوجيه اللّوم عازفين عن الخوض في غِمار إصحاح المجتمع فهذا طريقه أصعب وأطول إلّا أنّه الطريق الوحيد المؤدّي إلى النتيجة المَرجوّة. وبما أنّ الناشطين لم يَستَوعِبُوا الدرس من التجارب العديدة الماضية فإنّ الأمل أنّ تجربةً أخرى قد تُرسّخ المعلومة وتحسِم الجدل حول هذه النقطة فلقد تعلّمنا في المدرسة أنّ التكرار يُعلّم الشُّطّار. فإذا لم نعي الدرس بعد هذا فينبغي أن نقول حينها: لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا لن يُنقذ السودان غير مُعجزة إلاهيّة!       

Sunday, June 17, 2012

حب الوطن بين الحقوق والواجبات

 ورد في الايام الفائتة أن شابا سودانياً تقدم بطلب رسمي أن تسقطه الحكومة من سجلاتها كمواطن "متنازلا" بذلك عن جنسيته السودانية وكل ما ألتصق بها من واجبات وحقوق. رسم هذا الخبر ابتسامة خفيفة في وجهي لم تكد تبرز نواجزي فكان هذا آخر هذا، أو هذا ما كنت أظن وقتها، فعلى ما يبدوا أن فعل هذا الشاب صار وجبة دسمة اجترتها صفحات المواقع المناوئة للنظام وغرد بها أهل تويتر بل ونادى البعض الى تنازل جماعي عن الجنسية السودانية احتجاجا على واقع الوطن اليوم. لن أحكم على تصرف الشاب المتنازل فلا أعلم ظروفه كما يعلمها هو، كما أنني لن أُعَلّق على رد فعل المُصفقّين للمتنازل فربما كانوا هم أعلم مني بظروفه. ولكنني سوف أغتنم الفرصة لدراسة ظاهرة لفتت نظري ونظر الكثيرين منذ مدة ألا وهي حالة برود مشاعر المواطن السوداني تجاه وطنه.


سؤالين مبدئييّن
هناك سؤالين لا بد من الاجابة عليهما قبل مواصلة القراءة فهما سيرسمان إطار مرجعيّة النقاش وإنّ التوافق على شكل جوابيهما سيحدد جدوى بقية الكلام. أما السؤال الاول فيقول: هل مشاعر المواطن السوداني العادي تجاه وطنه هي فعلا أضعف من مثيلاتها عند مواطني الأوطان الاخرى؟ وبما أن قُرّائي أذكياء فانهم سوف يلحقون بهذا السؤال سؤالا اخر: ما هو المقصود بالوطن في السؤال الاول؟ سوف يقول المِثاليّون أن الوطن هو حيثما وجد الانسان كرامته وحريته، وسوف يقول العرقيون ان الوطن هو جنس الانسان ولونه وسوف يقول القبليّيون أن الوطن هو العشيرة والنسب وسوف يقول الدينيون انه العقيدة والايمان. وفي كل هذه التعاريف شيئ من الصحة إلّا أن المقصود بالوطن فيما يخص هذه التدوينة هو رقعة الارض التي يتعارف المجتمع الدولي على أنها السودان وهي مجال سيادة جمهورية السودان وهي مكان الانسان السوداني سواء باختياره عن طريق الهجرة او بغير اختياره عن طريق الميلاد. الوطن المقصود هنا السودان بحلوه ومره وخيره وشره وحربه وسلمه وعطائه واخذه. هذا جواب هذا .ولو عدنا الى السؤال الاول وسلّمنا أن المشاعر والاحاسيس هي مما لا يمكن وزنه وقياسه فانه سوف يشق علَيّ إثبات فرضيّة ضعف حب السوداني لوطنه بما لا يدع مجالاً للشك. إن جوابي على هذا السؤال هو بنعم وسوف اترك الحُكم على افتراضي هذا لك عزيزي القارئ لتُقيّمَه بناء على احتكاكك بالمواطن السوداني ومقارنتاك له بمن عاشرتهم من مواطني بقية العالم.  


لماذا هذا الموضوع؟
عندما يبني الإنسان مشاعر موجبة تجاه فرد -كعطف الابوين بطفلهما او بر الولد بوالديه، او تجاه جماعة -كولاء الواحد لاسرته وقبيلته، او تجاه عِرض -كحِرص الشخص على ماله وداره، فإن هذه المشاعر سوف تُحَفّز صاحبها إلى بذل الغالي والثمين لحمياة ما يُحب من التلف والضرر وإلى السعي من أجل تحسين ظروف محبوبيه وبيئتهم. كما أنّه كُلما اشتدت قوة هذه العاطفة كُلما قلّ طمعُ المُحِب في تحصيل مقابل لجهده حتى تصل العاطفة الى منزلة الحب غير المشروط.  إن المبرر الأول لضعف مشاعر المواطن تجاه وطنه هو تقاعس الوطن عن الايفاء باستحقاقته في ميثاق المواطنة الذي يقول بان للمواطن حقوق وعليه واجبات وبالتالي فان انعدام الحقوق يبطل بند الواجبات. كُنت قد كتبت في مقال سابق أن جُلّ مشاكل السودان مرتبط بأسئلة تشبه في تركيبتها معضلة البيضة والدجاجة فلا يعلم من ياتي أوّلاً. إن انعدام الحقوق يعطي المواطن الحجة للتخاذل عن الواجبات وهذا الأخير يؤدي بدوره الى انعدام المكونات التي يحتاجها الاول لتوفير الحقوق! هناك إحتملان لا ثالث لهما لحل هذا الاشكال: فإمّا ان يلوّح الوطن بعصاه السحرية ويقول للحقوق كوني فتكون من لا شيئ، وإمّا أن يكون الوفاء بالواجبات غير مشروط بأخذ الحقوق أي أن يكون حب الوطن مجردا من التوقعات وبذلك نعطي الاجيال القادمة فرصة لمعادلة موازنة الحقوق والواجبات.


الوطن ملكي انا وحدي
ان طبيعة الانسان تقوده إلى الإهتمام بمُلكِه الخاص فيوفّي حقوقه دون ملل او تردد فصاحب المنزل أحرص على منزله من غيره فيعتني بنظافته وصيانته، كما ان صاحب التجارة أحرص على تجارته من غيره فيراقب العُمّال خشية الفساد والسرقة ويهتم بتجويد العمل من إجل ارضاء الزبون. لقد تعلّمنا منذ الصغر أن الوطن ملك الجميع. وكان المقصود هو ان على الجميع مسؤولية الحفاظ على مكاسب الوطن، ولكن هذا القصد انقلب الى فهم أن الوطن ملك لي أنا وحدي عند أخذ الحقوق فيَغرِف كُل واحد بقدر ما استطاع، وأمّا وقت سداد الواجب فإن الوطن ملك للاخرين، وبهذا يكون اخذ الحق فرض عين وأداء الواجب فرض كفاية. ولكن ماذا لو علّمْنا نحن أبناءنا أن الوطن ملك للاخرين عند اخذ الحق فيفسح المواطن الطريق ولا يأخذ أكثر من حقه ولا يعتدي على المال العام لأنّه ملك لغيره، وأمّا وقت أداء الواجب فهو ملك خاص بي وحدي أرعا منشآته كما ارعى بيتي وأحفظ ماله كما احفظ مالي فأهتم بنظافة الشارع كانه صحن منزلي وأمنع المرتشي والمُتَعدّي على مال الوطن كما امنع اللص المُتَعدّي على حُرّ مالي.


وبغض النظر عن أسباب البرود العاطفي بين الوطن والمواطن، فإنّ من المؤكد أن نهوض الوطن لن يتحقق الاّ إذا رفعنا درجة حب المواطن لوطنه بإتجاه الحب غير المشروط. وبما أنّني لستُ من خريجي كليّة التربية ولا أدّعي العِلم بفنّ صِياغة المناهج الدراسيّة فإنني لن أخوض في هذا الاتجاه، ولكنني بالتأكيد سوف أُشَرِّب حُبّ رقعة الأرض التي هي السودان في قلوب بناتي وسوف اغني معهم: سوداني الجوا وجداني بريدو الحُبّو علاّني والسماءه ضلاّني بريدو..



Friday, June 1, 2012

تاملات في حد الرجم 2

هذا المقال رد لطيف على مقال مُتقن لتسنيم جعفر كتبت فيه عن حد الرجم تجدونه بالنقر هنا


الأخت العزيزة تسنيم:
كُنتُ قد حضرتُ لقاءً مع المُفكّر الإسلامي الدكتور محمد راتب النابلسي قال فيه أنّ الحقّ يُدرك عند نُقطة إلتقاء أربع محاور. عدّد النابلسي  هذه المحاور كالآتي: أولاً النص الصحيح، ثانياً العقل الصريح، ثالثاً الفِطرة السليمة ورابعاً الواقع المُصدِّق. وبيّن فضيلته أنّ الحق يُمكن أن يُعرّف على أنّه كل ما جاء به النَّص الصحيح من القرآن والسنّة وقبِله العقل الصريح الذي لا يميل للهوى وإطمأنّت له الفِطرة السليمة التي تنزع إلى الخير ومكارم الأخلاق وصدّقه الواقع المُعاش من علوم ونتائج تطبيقيّة. إنّ الهدف من هذا المقال هو إستخدام آليّة المحاور الأربعة كإطار للرد على مقالك الذي عقّبتي فيه على من كتب رأيه في موضوع حد الرجم.


النص الصحيح والعقل الصريح
إنّ النص الصحيح من القراّن يقول: الزانيّة والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. أمّا النصوص الصحيحة من السنّة فتوضّح إنّ رسول الله عليه أفضل السلام قد رجم الزاني المُحصن. وبعد أن قبِل العقل الصريح بصحّة النصوص فإنّ الخطوة المنطقيّة التي تلي ذلك هي دراسة النصوص دراسةً موضوعيّةً لا تؤثّر عليها الأحكام المُسبقة والمُسلّمات الموروثة. ولو فعلنا ذلك من باب البحث عن الحقيقة فإنّ هذه النصوص سوف تقود إلى سؤالين عفوييّن أوّلهما: هل رجم رسولُ اللّه قبل نزول آية الجلد أم بعدها؟ أمّا السؤال الثاني فيقول: على ضوء أنّ دليل الرجم هو من السنّة، هل من المُمكن أن يكون حد الرجم سنّة مؤكدّة كما أنّ صلاة التراويح هي أيضاً سنّة مؤكدّة بمنطق أنّ كلاهما دليله سنّة فعليّة؟ هذه أسئلة وجب على أهل الذكر الإجابة عليها جواباً مُستفيضاً فالردود السطحيّة الّتي هي سمة برامج الإفتاء لاتُرضي المُؤمن فالمؤمن كيّسٌ فطِن.


الفطرة السليمة
من المعلوم أنّ تقدّم الزمن يؤدّي إلى تقدّم المعايير أو تأخّرها وأنّ العادات التي قَبِل بها الناس في الماضي قد يذمّها الناس في الحاضر والعكس قد يكون صحيحا في أمور أخرى. وأوضح مثال على هذا هو مِثال الرّق والعبوديّة. فلقد كانت العبوديّة منذ بزوغ التاريخ وحتى زمنٍ قريب من مُسلّمات الحياة ومن ثوابتها. كما أنّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وأهله وأصحابه وتابعيهم وتابعي تابعيهم -رضي الله عنهم جميعاً- كانوا مُلّاكاً للعبيد. ولم يذمّهم على ذلك القرآن ولا السابقون ولا المُعاصرون من المُحبين والحُسّاد فهم لم يرتكبوا ذنبا بإتخاذهم عبيداً في وقتهم وزمانهم. ولكن إذا رجعنا إلى حاضرنا اليوم فإنّنا سنجد أنّ العبوديّة جريمةُ ينبُذها المُجتمع المُسلم بإنكاره على فاعلها ويُعاقب عليها القانون بآليّاته رغم أنّها سنّة فعليّة وتقريرية من الناحيّة التقنيّة البحتة. وبهذا تكون فطرة المُسلم قد تحوّرت  مع مرور الزمن بإتّجاه المبدأ الإسلامي الكليّ الذي يقول بالمُساواة والحُريّة. ومن هذا المُنطلق فإنّ توبيخك عزيزتي تسنيم للسيّدة التي رفضت حد الرجم بِمحض فطرتها هو في غير محلّه، فكما أنّ فطرتنا كمُجتمع قد تحورّت لترفض العبوديّة فإنّ فطرتها السليمة هي أيضاً قد تحوّرت في إتّجاه إعلاء قيم دينيّة كليّة أسمى من مُفردة حدّ عليه ما عليه من ضبابيّة.


الواقع المُصدِّق
عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) رواه البخاري و مسلم . يحرّم هذا الحديث التصوير بكل صراحة ووضوح ويبين أنه من كبار المعاصي. بقي هذا الرأي هو السائد بين علماء الأمّة حتى جاء زمن التصوير الفوتوغرافي والسينمائي مما إضطر العلماء للعودة لهذه المسألة ومُراجعتها فوجد أكثرهم أنّ الخطر من أن يعود المسلمون إلى عبادة الأصنام والصور قد زال وأن الواقع الجديد قد حوّل التصوير من مُهدد للعقيدة إلى  فرصة لنشر الإسلام وترسيخ العقيدة فكم من صُوَرٍ للنجوم والفضاء والبحار أبكت عيناً مؤمنة. واليوم نجد أنّ الحديث عن التصوير صار من باب الإستدلال على أنّ الإسلام هو دين النمو والتغيير للأفضل وأنّ من بعض سنّة رسولنا الكريم ما هو وقتيّ مُرتبطٌ بظروفٍ آنيّة ينتهي حُكمها بإنتهاء تلك الحِقبة. ولو كان هناك ما ينطبق عليه هذا القياس فلا أولى من حد الرجم أن يُطوى لعدم مُلاءمته لفطرة المُسلم اليوم. ومن المثير للفضول إيضاُ أن يُرجم الزاني الذي كان قد طلّق من كانت في عصمته بينما يُعاتب الزاني البكر بجلد غير مُبرّح فنتيجة كِلا الفِعلتين واحدة وضررهما على المُجتمع مُتطابق.  

من سنّ في الإسلام
الأخت تسنيم: إنّ الإسلام هو دين التغيير للأفضل والتحسين نحو الكمال والكمال لله وحده. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ» [رواه مسلم]. إنّ الإسلام يقوم غلى مبادئ عُليا وقيم شاملة لا تتزحزح ولا تتغيّر بمرور الزمن وأمّا تفاصيل الأقوال والأفعال في الجزئّيات فهي تنمو وتنضج بالتفاعُل مع متغيّرات الزمان والمكان لتُحقق في المُنتهى مقاصد الإسلام ومبادئه الشاملة. لقد أدّى الجمود التي ساد الفِكر الإسلامي في الفترة الأخيرة ألى تعطيل مقاصد الدين وإلى التضحيّة بقيمه السامية في سبيل الإبقاء على أحكامٍ أثبتت محاور الحق الأربعة أنّ مصيرها هو مصير العبوديّة وتحريم التصوير وبرامج الإفتاء المُباشر.