Tuesday, October 28, 2014

دستور الككو

انزعجت انزعاجا شديدا لاطلاعي على انباء تتحدث عن توجه المؤتمر الوطني لاجراء تعديلات دستورية تمس اجراءات تعيين ولاة الولايات. فالقانون الحالي ينص على انتخاب الولاة انتخابا مباشرا بينما يميل الحزب الحاكم الى اعادة حق التعيين للمركز. ليس هدفي الاول من كتابة هذه السطور الحشد لصالح توجه دون الاخر، ولكني ارمي الى الاجابة على بعض الاسئلة المتعلقة بالمؤسسية والمنهجية في التجريب والتحسين.

لقد قرات كمّا لا باس به من الحيثيات التي تسند رغبة المؤتمر الوطني في جعل اختيار الولاة حقا خالصا لرئيس الجمهورية. يعلل الداعون لهذا المبدا بان الشعب يمنح الرئيس المنتخب الثقة والتخويل للتصرف بما يرى ان فيه مصلحة شعبه وان من ضمن هذه المسؤوليات اختيار الشخص المناسب للولاية المناسبة. كما ان التجربة الانتخابية السابقة قد افرزت بعض السلبيات في بعض الولايات. ان المتمعن في هذه الحيثيات سوف يجد فيها عيبا مبدئيا يبطلها تماما. يتجسد هذا العيب في افتقار الطرح لتحليل كمي يرصد حجم السلبيات ويضعها في الكفة المقابلة للايجابيات لنستطيع الموازنة بموضوعية بين الضرر والنفع والخروج باستنتاج مقنع. 

ان هذا الاستنتاج الاخير حول بطلان حيثيات الدعوة لتغيير النظام القائم هو سبب انزعاجي ورغبتي في كتابة هذه الكلمات. ان تعديل اي قانون هو امر جسيم ومسؤولية جبارة تستحق التأني والمراجعة والتقييم العلمي القائم على جمع المعلومات على مدى فترات طويلة ومن ثم تحليلها وتشريحها بواسطة خبراء متخصصين ومحللين متمرسين. اما اذا كان هذا التعديل يمس الدستور الذي هو مرتكز ثوابت الامة وخلاصة مبادئها وبوصلة خارطة مستقبلها، فان الجهد يجب ان يكون مضاعفا للتحقق من ان التعديل سوف يكون تصحيحا للمسيرة لا تعطيلا لها. ان فلسفة انتخاب الولاة كانت قد ضُمنت في الدستور لترسخ الديمقراطية ولتوسع نطاق المشاركة في تحمل المسؤولية ولتخفف من ازمة تكدس مقاليد الحكم في المركز. ان هذه الرؤى في نظري تجسد اهداف سامية لا يصح النزول عنها عند اول تحدي بل يجب بذل كل الجهد المستطاع لتهيئة الظروف لضمان تبلورها الى واقع معاش. 

ان من الخطأ وصف السُلطة في السودان (بشقيها التنفيذي والتشريعي) بانها معمل للتجارب لان كلمة "معمل" تستدرج معها مرادفات تتعلق بالملاحظة المنهجية والبحث العلمي، بينما يؤكد لنا التاريخ بان ممارسات المشرعين والمنفذين هي اقرب للعشوائية منها للمنهجية وللعفوية منها للمؤسسية. فنجد ان العاطفة تتقدم على الدليل العلمي وان القناعة الشخصية  تطغى على الحِكمة المؤسسية وان الذاكرة الفردية تعلوا على تراكم الخبرات. ان اكبر مثال على هذا النمط هو سعي المؤتمر الوطني اليوم للاطاحة بمبدا انتخاب الولاة لاعتبارات قريبة بنيت على نهج غير علمي رغم ان مبدأ انتخاب الولاة قد وضع في الدستور ضمن باقة حلول جذرية لاستئصال ورم خبيث هو تمرد الاطراف على المركز!

لو كان المقصود من سلب المواطن حقه في انتخاب والي ولايته هو القول بان المواطن السوداني غير مؤهل لاتخاذ هذا القرار، فالاحرى ان نكمل المشوار ونرفع عن كاهل المواطن التكلفة الباهضة للعملية الانتخابية برمتها، ابتداء بمنصب الرئيس الذي يختاره فعليا مجلس قيادي لا يتعدى اعضاءه المئة، وانتهاء بمجلس تشريعي يبصم على كل قانون يودعه المؤتمر الوطني منضدته.   
http://www.dreamincode.net/forums/uploads
/monthly_07_2012/post-389009-13429344546898.jpg
  
ملاحظة: الككو في العامية السودانية تعني القرد والمقصد في هذا السياق هو ان التخبط والتناقض في تشريع القوانين تذكرني بمثال القرد الذي يضرب على لوحة المفاتيح بكفيه وقدميه مرارا وتكرارا املا في ان يكتب كلمة ما ذات معنى ما في يوم ما! 

Friday, October 24, 2014

سيادة الرئيس المقبول المحترم

علل جل المؤيدون لترشيح عمر البشير لدورة جديدة مواقفهم بان عمر البشير شخصية قومية تحظى بقبول واحترام جميع القوى السياسية والشعبية. لن اعلق على دستورية ترشح البشير فحتى لو افتت المحاكم ببطلان ترشحه دستوريا فان المجلس الوطني يستطيع وبكل سهولة تعديل الدستور لاعطاء البشير الشرعية التي يحتاجها لدخول الانتخابات وتولي منصب الرئاسة مثنى وثلاث ورباع. حيث ان القانون والمؤسسية في السودان كلها مبادئ هشة لا تحتمل اكثر من النفخ عليها لتتطاير في مهب الريح. فالاصعب من تغيير الدستور في هذا البلد هو اختصار بعض طقوس الزواج المرهقة للبدن والجيب كفطور العريس مثلا!

ان السؤال الذي يستدعي التفكير هو: هل الاحترام والقبول لشخص عمر البشير نابع من عوامل تخص ذات عمر البشير بغض النظر عن صفته كرئيس للجمهورية ام ان هذا الاحترام سببه انه رئيس الجمهورية؟ لنطرح السؤال بصيغة اخرى: اليست القومية والاحترام والقبول العام صفة اي رئيس منتخب باغلبية؟ لنعيد طرح السؤال بصيغة اخرى: لو افترضنا ان ابراهيم غندور مثلا قد خاض الانتخابات وفاز باغلبية معقولة، الن يكون شخصية قومية ذات قبول واحترام؟ ان التعليل بان البشير شخصية قومية هو في نظري منطق شديد السذاجة لان هذه الصفة نتيجة طبيعية لتولي منصب باختيار من القوم.

ان هنالك تناقضا شديدا بين اعادة ترشيح عمر البشير لفترة جديدة وبين القرارات التي صدرت قبل فترة لاستبدال علي عثمان ببكري حسن صالح. فالبديل حينئذن لم يكد يكون اكثر من ظل للاول، فعلي عثمان سياسي محنك ودبلماسي فذ ومفكر بارع، اما بكري فلم يعرف عنه لا هذه ولا هذه ولا تلك. والسبب الوحيد الذي دعانا لقبول تلك القرارت وابتلاعها هو الاستبشار بمناخ جديد يمهد لتغيير السياسات والوجوه بما فيها عمر البشير املا في دفع عقول جديدة للادلاء بدلوها بعد ان جفت الدلاء الراهنة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كانت التغييرات محل النقاش خالصة لنية التغيير للافضل، ام انها كانت فورة مؤقتة كفورة الكعك في الفرن ثم هبطت بهبوط حرارة الضغوط الداخلية بعدما تلاشت احداث سبتمبر الدامية من الذاكرة؟ وماذا عن خطاب نداء الوثبة؟ يبدوا لي الان ان الشئ الوحيد الذي وثب هو الامل في تغيير حقيقي...وثب من الشباك ليلقى حتفه! 

والان ادعوك عزيزي القارئ للاجابة على السؤال الاتي بحنك مقنع: لماذا عمر البشير اكثر اهلية من غيره؟ حظا موفقا! 

Wednesday, October 22, 2014

حلة جعلستان الديمقراطية

انتاب جوفي مزيج من الاحاسيس تراوحت بين التعجب والطمام عندما انتخب مجلسي القيادة والشورى بالمؤتمر الوطني عمر البشير مرشحا عنه للرئاسه في انتخابات ٢٠١٥. خرجت من هذا الحدث بثلاثة استنتاجات اولهما يخصني انا شخصيا وثانيهما يخص صفات شخص عمر البشير وثالثهما يتعلق بعقلية المؤتمر الوطني خصوصا والمجتمع السوداني عموما. اما فيما يخصني فلقد استنتجت ان بطني خفيفة لا تحتمل الاخبار السيئة!

 لطالما آمنت بان في شخصية عمر البشير الكثير من الصفات السالبة ولكن لم اعرف عنه ابدا الكذب. فمواقف عمر البشير على مدى ربع القرن الماضي كانت تعكس شخصيته الارتجالية العفوية العشوائية، والمقصود هنا باختصار انه جعلي قلبا وقالبا. ولكن لا اذكر يوما انه قال كذبا. ورغم اننا نذكر انه توعد ثم عمل بخلاف ما وعد، الا اننا يمكن ان نعلل رجوعه عن وعوده لاسباب اقليمية ودولية خارجه عن سيطرته. ومثال ذلك قسمه بالله ان لا تطا القوات الدولية ارض دارفور ووعده بغلق انابيب البترول، الا اننا يمكن ان نضع هذه الحوادث في خانه الجعلنه.  والعتاب يكون هنا في ارتجاله وتهوره في الحديث بدون حساب للعواقب.  

لقد صرح عمر البشير قبل عام ونيف بانه لن يترشح لدورة رئاسية اخرى. كان هذا موقفا تمسك به واعلنه في اكثر من لقاء ومناسبة. وكان تعليله وقتها مبنيا على قناعه داخلية عنده بانه قد قدم كل ما يستطيع تقديمه وانه لم يعد يملك المزيد ليعطيه وبالتالي وجب تغيير الرؤية وتجديد الدماء. لقد كنت وقتها من المرحبين بهذا الاعلان ومن المصدقين لوعده بالنزول. لقد ثبت لي اليوم انني ساذج وانه كذاب. فبخلاف وعوده الاخرى التي لم يملك هو القوة على تنفيذها، فان هذا كان وعدا شخصيا لا يملك احد غيره القوة على اجباره بالرجوع عنه. ان الحديث عن ان السودان سيضيع بدون البشير حديث انتهى زمنه بانتهاء الفترة الانتقالية التي اعقبت اتفاقية نيفاشا. كان هذا مشروعا بدأه هو وربما كان الاصلح ان يختمه هو. وقد كان. اما الفتره القادمة فظروفها وتحدياتها مختلفة عن ما سبقها وستحتاج لرؤية وحلول مختلفة.

اما فيما يخص عقلية المؤتمر الوطني فلقد استنتجت ان عقلية هذا الحزب رغم مباهاته بالمؤسسية والديمقراطيه في داخله، الا ان بعده الحقيقي ليس اسمى او ادنى من العقلية البديهية للمجتمع السوداني. تقوم هذه العقلية على نظرة المجتمع الى رب الاسرة او شيخ الحلة. فرب الاسرة هو دائما محل احترام وتقدير في اسرته بغض النظر عن درجة جودة اداءه لواجباته الاسرية. فامره ونهيه مسموعان بدون مراجعه، واداءه وانتاجه محمودان بدون تقييم. بدى لي هذا السلوك جليا عندما حاز ترشيح عمر البشير على قبول مؤتمرات الحزب على الرغم من كل السلبيات التي صاحبت فتراته السابقة. واغلب ظني ان من صوتوا له استجابوا لغريزة الابن المطيع لابيه وانسان الحلة الوفي لشيخه بغض النظر عن اي اعتبارات سطحية مثل سجل عمر البشير في مجالات ادارة الدولة. 

اذا هي خمسة اعوام اخرى مع  عمر البشير. استكاكة شديدة!