Thursday, March 20, 2014

الخدمة المدنية: نظرية الشحن السالب للطاقة

بدا يترسخ لدي اعتقاد بان تدهور الخدمة المدنية في السودان هو ليس بسبب اهمال عفوي بل هو نتيجة مدروسة لتصميم ذكي ومقنن. هذا الاعتقاد مبني على نظرية اسميها نظرية الشحن السلبي للطاقة. سوف اعرض عليك دليلين منطقيين لاثبت لك صحة هذه النظرية. 

لنبدا اولا باثبات ان تدهور الخدمات متعمد وليس عفوي. حدثت لي في الايام القليلة الماضية واقعة تتعلق باجراء حكومي عقيم ليس له اي سند من المنطق او العلم. لن ادخل في تفاصيل الاشكال فجميعنا مر بمكاتب الحكومة وذاق مرارة الاجراءات اي كان نوعها. والسؤال هو: هل يعقل ان يكون هذا المستوى من الفشل والفوضى بغير قصد؟ كيف يكون مكتب يراسه ضباط تربوا على الضبط والربط عشوائيا كميدان المولد؟ كيف يكون مركز خدمة يعمل فيه موظفون بجميع الرتب العلمية بدائيا واقل كفاءة من دواويين خدمة امبراطورية الروم منذ قبل الف عام؟ (هذه حقيقة استنبطتها من قراءاتي عن تاريخ الروم). الخلاصة هنا انه من المستحيل ان يكون هذا القدر من التدهور غير متعمد. هذه هي الركيزة الاولى لنظرية الشحن السلبي للطاقة.

اما الركيزة الثانية للنظرية فتقوم على استنباط هدف الحكومة من تدمير الخدمات. لقد وجدت الاجابة على هذا التساؤل في ردة فعلي على واقعة الاجراء الحكومي التي ذكرتها سابقا، فلقد حدث لي الاتي:
١. انشغل تفكيري عن اداء وظيفتي وانحرف تركيزي عن العمل الى البحث عن حلول لاشكال مصطنع. 
٢. تحولت مشاعر الولاء للوطن والحنين له الى رغبة بالنفور منه والعزوف عنه.
٣. تسربت سلبية الاحباط الى صدري لتوازن ثم تطغى على ايجابية التفاؤل والامل في سودان افضل.
لقد استنتج علماء النفس والجهاز العصبي  بعد بحوث مستفيضة ان للانسان لياقة ذهنية وعاطفية محدودة، بمعنى ان الفكر والمشاعر تجهد بنفس النمطية التي تجهد بها العضلات. اي انك اذا بدات اليوم بالتخطيط لعملية معقدة مثل استخراج الرقم القومي فان عقلك سوف يعجز في نهاية اليوم عن التخطيط لعملية بسيطة مثل شطر بروتون اليورانيوم عن نيوترونه. والحكمة هنا ان الحكومة عندما ترهق مشاعر المواطنين وعقولهم بالركض وراء اجراءات وهمية ومعاملات تعجيزية، فان طاقاتهم الفكرية والنفسية سوف تفرغ بالكامل قبل ان تستطيع فتح كتاب تقراه اخر النهار  لتتثقف وتتنور عن كيفية اصلاح البلد والعمل على تطويره. ومربط الفرس هنا ان الاصلاح والتطوير يؤدي في النهاية لبناء عقول متفتحة لا ترضى ان يحكمها اشخاص قليلوا الاهلية، كما ان الاصلاح والتطوير يفرخ جيلا مستنيرا يطرح بديلا منافسا للطغمة الحاكمة.

اذا فان نظرية المؤامرة تقول بان الحكومة تستخدم الخدمة المدنية كوسيلة لشغل المواطن عن الاطاحة بها سواء كان برعونة الثورة او بحكمة النهضة. تعيش الحكومة!