Sunday, February 23, 2014

في الدفاع عن موظف الحكومة

دعتني الحاجة الى الذهاب لمكتب العلاقات البينية في الخرطوم لقضاء معاملة متعلقة بجواز سفر زوجتي. ذهبت اول مرة منتصف النهار لاجد تجمعات غفيرة امام شبابيك الخدمة. اردت ان اقفز في المعمعة لكن عندما رايت شبابا في عمري يتدافعون مع نساء في عمر اختي ورجال في عمر والدي قررت اتباع استراتيجية الصباح رباح. كانت الخطة كالاتي: كن امام باب المكتب قبل ان يفتح في الصباح، وبما ان التدافع يبدا في خلال خمس دقائق من فتح الباب فانه لا مجال للمرور على اكثر من شباك واحد في اليوم، وبالتالي يكون الجزء الثاني في الخطة: لا تقضي اكثر من شباك واحد في اليوم. 

وهكذا كان برنامجي للثلاثة ايام التالية: الساعة الثامنة الا ربع: داخلا المكتب عثمان + اوراقه، الساعة الثامنة والنصف: خارجا من المكتب عثمان + اوراقه + ١ ختم. في اليوم الرابع استطعت ان اكمل الاجراء دون ان الوم او الام. المفيد في الموضوع ان هذه التجربة اتاحت لي الفرصة ان اتامل الجو العام في مكاتب الخدمة المدنية واتابع بموضوعية حركة العمال والزوار بدون هم الاجراءات على ظهري. 

اول ملاحظة كانت ان الضباط في الطرف الاخر من الزجاج كانوا متعكري المزاج حتى مع اول زبون (يعني من قولة تييييت). ربما كان السبب بديهيا مرتبطا بالثقافة العامة للانسان السوداني وميله للتكشير دون الابتسام، وربما كان سطحيا يرتبط بزحمة الحركة في شوارع الخرطوم ومعاناة الضابط في الوصول لمكتبه كل صباح. ربما كان ليس للزبون علاقة  بسبب مزاج الضابط كأن يكون الضابط متعبا لانه كان سهرانا في حفلة عرس نسابته. وربما كان السبب له علاقة بالزبائن كأن يكون احد الزبائن طبيب وكان طبيب اخر قد اخذ من ضابطتنا المكشر الشيئ الفلاني بعد ان اعطاه تشخيصا خاطئا لمرض بدل ان يقول الله اعلم وينصح باستشارة زميل اخر، او ان الزبون كان مهندسا كمهندس التخطيط الذي صمم شوارع الخرطوم التي يتعطل فيها الضابط كل صباح بسبب سوء تخطيطها. 

الملاحظة الثانية هي ان السودانيين بخلاف اغلب شعوب العالم الثالث يحبون النظام ويتوقون اليه اذا امكن لهم ذلك واذا توافر لهم. وذلك لانني ابديت استيائي من الفوضى عدة مرات لبعض اقراني من الزبائن وكان دائما الرد مؤيدا ومتحسرا فالعين بصيرة واليد قصيرة. لا ادعي ان كل السودانيين كهذه العينات لكن انا مؤمن بان الاغلبية تميل الى احترام النظام اذا وجدوه.   

اذا فالملاحظة الثانية مبشرة بان قليلا من التنظيم والتعديل في الاجراءات سيؤدي الى خدمة منظمة وجيدة. اما الملاحظة الاولى فهي مشكلة جذرية تستدعي تغيير في الثقافة. اتمنى ان لا يتردد السودانيون في قول "انا لا اعلم" وأن يقلوا من استخدام عبارات متعجرفة مثل: "انتو حا تعلمونا شغلنا؟!".  لذلك وجب علينا الخروج في مظاهرات مهيبة ونملا الميادين حاملين لافتات كتب عليها: الشعب يريد تغيير الشعب!

ملاحظة: لا اظن أن الشعب السوداني بحاجه لتغيير كامل فهو أغلبه جميل ولكنه يحتاج لاضافات تقربه من الكمال فحتى الذهب يطعم بالنحاس ليكتسب صفات الصلابه وتحمل الصدمات. و قد صدق من قال: السودان حلو بناسه. 

1 comment:

  1. ملاحظات جميلة وبالفعل كما أشرت في المقال الشخصية السودانية ليست بحاجة الي تغير شامل بل تطعيمات من الفضة حسب رأيي المتواضع المسألة تعود كالمعتاد الي خانة الفشل الأداري الاطار السلبي الذي يوضع فيه الموظف فالوظيفة الحكومية في السودان وجل دول العالم الثالث تعني أستقرار بلا حدود و أنعدام الرقابة والمحاسبة غياب التدريب والتأهيل المهني أطنان من الروتين توضع كلها في هرم مقلوب على رأس المواطن الكادح أو زبون الحكومة المضطر
    مامعنى أن تنشئ الحكومة مؤسسات ليسلها معاير جودة أو أهداف انتاجية محددة مالهدف من وجود قوانين ولوائح تتأرجح مابين التطبيق والتجاوز حسب رأي الموظف مع وجود كل هذه السلبيات ليمكن بحال من الأحوال وضع اللوم على من يقبع خلف الشباك في قعر الهرم الوظيفي التغير يجب أن يحدث من الأعلى الي الأسفل والمسألة بسيطة جدا ولكن على مايبدو أن مايحدث الآن هو المراد.....

    ReplyDelete