Wednesday, December 12, 2012

حكايات الوحدة والانفصال: بين العنصرية والانسانية


زبدة الكلام: كما انّ المنادين بالوحدة ليسوا دائما انسانيين ومُحبين للتعدد والتمازج، فإن المؤيدين للانفصال والانقسام على اساس اثني ليسوا دائما عُنصريين وكارهين للتداخُل. ربما تكون الوحدة عنصرية احيانا وربما يكون الانفصال قائم على أساس الحب والرحمة احيانا.

مُقدمة
أدّى حادث مقتل اربعة طلاب دارفوريين في جامعة الجزيرة قبل ايام قليلة رُبّما على يد عناصر الامن الى اتهام الحكومة السودانية وانظمتها الامنية بممارسة شكل من اشكال العنصرية المنظمة ضد الاقليات. ليس هذا بجديد، ولكن الجديد-القديم هو ردة الفعل التي تلت هذه الفاجعة. حيث خرج المئات من طلبة الجامعات في العاصمة في مظاهرات تنادي بالثأر لدم الطلبة المُغتالين. وللاسف الشديد، إنحصرت هذه الاحتجاجات في فئة الطُلّاب، وبالتحديد من ابناء الاقليات من دارفور وجبال النوبة. أمّا ما تبقى من فئات فقد ظلت صامتة في الاغلب الاعم الّا في حالات شاذّة. إن دلّ هذا فانما يدُل على تباعد بين أعراق المجتمع السوداني، مما دفع البعض الى التعليق بان ابناء دارفور وجبال النوبة هم الجنوبيون الجُدد. كما تحدث بعض ابناء هذه الاقليات بانهم اذا لم يكسبوا تعاطفا شعبيا مع قضيتهم فانهم سيذهبون كما ذهب الجنوبيون، اي انهم سوف يسلكون طريق الانفصال.

الدعوة للانفصال والعنصرية
من البديهي أن نَصِف من يدعو الى أو يؤيّد فصل منطقة على اساس عرقي بأنه عنصري. ولكي نتحرّى صِحّة هذا الاعتقاد فاننا سنمتحن الاعتقاد الموازي له، والذي يقول: من البديهي ان كل من يدعو الى وحدة بين منطقتين ذات عرقين مختلفين هو-او -هي بالتاكيد انساني ومُحب للتنوع والتعدد الاثني. لكن هذه العبارة الاخيرة لن تصمد كثيرا امام وقائع الاحداث، فالتاريخ مليئ بقصص وحدة قسرية فرضتها فئات قوية على أخرى ضعيفة من أجل مصلحة إقتصادية أو من أجل الإبقاء على سلم طبقي. لقد بدا لي أن اغلبية السودانيين قد اتفقوا على الشعور بالحزن لانفصال الجنوب، ولكن بدا لي ايضا ان اسباب الحزن قد تنوّعت. فحَزِن البعض لفقدان السودان للقب اكبر دولة في افريقيا، وحزن البعض لذهاب الجنوبيين بعد ان كانوا جزءا من النسيج الاجتماعي ولونا من الوان الهوية القومية، وحزن البعض لان ممارسات اباءهم واجدادهم العنصرية قد دفعت بالجنوبيين لكُره العرب والمسلمين. كما حزن البعض الاخر لانهم فقدوا ما كانوا يعتقدون انه ملك لهم ارضا وبشرا، فكيف لهؤلاء الاصاغر (اي الجنوبيين) ان يرفضونا ويعرضوا عنا نحن الاكابر، فكان يحبذ هؤلاء من باب البغض والكره ان يبقى الجنوب كالمراة التي علّقها زوجها فلا هي مُزوّجة تتمتع بحقوق الزوجيّة، ولا هي مُطلّقة حرة في المضي نحو مستقبل افضل.

الفصل من اجل الانسانية
واذا ثبت لنا من حديثنا اعلاه ان السعي للوحدة ليس دائما الغرض منه حب التمازج والتنوع، فاننا يمكن ان نقول ان تاييد الفصل عرقيا لا يمكن تعميمه مطلقا على انه بغض للاخرين وكره للتداخل. وكما ان الوحدة ليست دائما في الصالح العام، كمثال البوسنة وكوسوفو، فان الانفصال ليس دائما شرّ ونِقمة وخصوصا اذا كان انفصال الطرفين أتى بعد وحدة فُرِضَت بِفعل عامل خارجي وليس من نبع الاختيار والتراضي. إن الوحدة بحاجة الى رصيد من التسامح والاحترام المتبادل والرغبة في التعايش على اساس من المساواة. إن احداث جامعة الجزيرة ذكرتنا بِما كُنّا نتناساه عُنوة بأنّ رصيد السودان من مقومات الوحدة لا يجعل من الوحدة خيارا جاذبا. فربما آن لنا ان نتصارح مع انفسنا وان نرتب الاولويّات في قوامها الصحيح، وربما ان احساس الاقليات بالرغبة في الانفصال مشروع، وربما ان من الانسانية ان نضع مصالح هذه الاقليات فوق نزعاتنا الشخصية، وربما كان من البر ان نعطيهم حق تقرير مصيرهم اذا ارادوه.   

No comments:

Post a Comment