Tuesday, October 23, 2012

الجَمال والحُب في بلادي



زبدة الكلام: إن العلاقة بين الجمال والحُب والإخلاص هي مِثل العلاقة بين اليُنبوع والجَدول والسُنبلة. إن بلادنا بحاجة إلى سنابل لتُغذي حركة نهضتنا. في هذه السطور، نربط السِلسلة بين الجمال والنهضة.

لماذا الجمال ولماذا الحب
من المعلوم ان الجمال هو مصدر الالهام، فكم من بيوت شعر عذبة نثِرت في وصف جمال إمرأة، وكم من اناشيد جياشة تَغَنّى بِها المولعون بيَنَعان الزهور وفوَحانِها في الصباح، وبِألقِ السمّاء ولمَعانِها في المساء. كنّا قد أسلفنا في مقال سابق ان الحب غير المشروط وحده يستطيع حل مُعضلة الحقوق والواجبات، وعلّلنا بان الوطن بحاجة الى جيل يُضحّي بِحقوقه ويُوفي بواجباته كاملة حتى يستطيع الوطن تدوير عجلة خلق حقوق الاجيال القادمة فالحقوق لا تولد من فراغ، وأن المُحفّز الوحيد للتضحية هو الحب غير المشروط بنيل الحقوق. لذا فانه لابد من حُب بدون مُقابل مادي، ولكن اذا لم يُحفَّز الحُب بعامل مادّي فإنّه لا بد من عامل آخر معنوي يُولّده. وليس هناك افضل من الجمال لتحفيز الحب وتنميته.

السودان جميل بيناسُه
والجمال لا يقتصر على الملموس من الاشياء، فهنالك جمال الروح والخُلُق والمبادئ، فتغنى العرب قديما بالشجاعة والبأس وبِمكارم الأخلاق والجُود. وبينما اشتهرت بِلاد الشام والمغرب بجمال الطبيعة والخَليقة، اشتهر السودان بجمال الطبع والخُلُق، فشهِد كل العرب باصالة السوداني وكرمه وجمال روحه. لقد ألهَم هذا الجمال السودانيون فتغنّوا به في اماسيهم، فانشد العطبراوي:
أيها الناس نحن من نفَر عمروا الأرض حيث ما قطنوا
ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حِطة ولا درن

كما غردت حنان النيل بصوتها البلبلي:
الفينا مشهودة...عارفانا المكارم انحنا بنقودا
الزول بفتخر وبيباهي بالعنده...نحن اصحاب شهامة والكرم جنده

 ولم تكن هذه السمعة مصدر فخر وإعتزاز فقط، بل كانت دافعا لكل سوداني وسودانية لتجسيد هذا الوصف والارتقاء الى مستوى هذا التوقع، فحرص السودانيّ على الصِدق والامانة ونظافة اليد وحِفظ عِرض الجار والذود عنه بالغالي والنفيس. كما أنّ جمال الروح هذا عزز ثقافة الانتماء والفخر بالوطن وأهل الوطن. وبما أنّ الجمال يحفز الحب فقد احب السوداني وطنه فوطنه جميل عَطِر السُمعة، كما أحب السوداني أبناء وبنات وطنه فكُلُهم جميلون بمكارمهم وبخصالهم. 

وكان من باب هذا الجمال أن نسمع السودانيّون يقولون في وصف السودان: "السودان حلو بناسوا". ان فحوى هذه العبارة ان السودان جماله في اهله وناسه وان ليس فيه جمالا بغيرهم. مرت الايام والسُنون واندثرت هذه المقولة او على الاقل لم تسمعها اذني في الماضي القريب بعد ان كنت اسمعها كثيرا. ومع اندثار هذه الكلمات اندثر ايضا الفن الذي يتغنى بجمال الوطن واهله، فاكتفى الجيل الجديد من الفنانين بترديد اغاني الحقيبة الوطنية دون ابتكار الجديد وكأنّ مصدر الإلهام للتغزل بالوطن قد نضب.

دستور الجمال
إنّ أقوى مُحفِّز لِشحْذ الهِمم هو شخصنة المبادئ ومزجها بالهوية. وهل هناك اقوى دافعاً لتحري الامانة ونظافة اليد من ربطها بأصل الشخص وماهِيّته؟ ومِثال ذلك ان السوداني الاصيل كريم مِضْياف، فإذا ذَكَر الواحد منّا هذا الوَصْف أكثر في الكَرَم وزَاد عليه. وإذا قِسْنا على هذا بالقول بأنّ السودانيّ نظيف اليد مُخلصٌ للامانة مُتقن للعمل وأنّ غير ذلك ليس منّا وعيبٌ أن يكون بيننا، فهل يخون الأمانة بعد هذا الاّ الجبان وقليل الحياء؟ ولإن فعلها فيسفعلها مُتخفيّا مُتستِرا في جُنح اللّيل حتى لا تعلم يده اليمنى ما سرقت يده اليُسرى. ليس هذا فحسب، بل إنّ علينا ان نُضيف الى إرثِنا القديم من مكارم الاخلاق إرثا جديدا، فنُعلّم شبابنا ان السوداني الاصيل يتقن العمل ويُحسنه، وان السوداني الاصيل يحترم الوقت ويفي بالموعِد.  كما ان الجمال يجب أن يمتد لِيشمَل بيئتنا التي من حولنا، فلنغرس زُهورا ووُرودا ورياحين في عتبات بيوتنا وفي مدارسنا وفي شوارعنا، ولنطلي أسوارنا بأبهى الالوان وازهاها، ولنجعل اسواقنا وحوارينا وميادينا نظيفة كما نحب ان تكون بيوتنا، ولِتكُن مُدننا وقُرانا أنيقةً خلّابة كالعرُوس في ليلةِ زِفافها، فالجمال يُلهِم الحب والحُب يُلهم الإبتكار والاخلاص والاتقان. إنّ المادة الاولى من دُستور السودان الجديد يجب ان تقرا كالاتي:

المادة ١:
الفينا مشهودة... عارفانا المكارم انحنا بنقودا
الزول بفتخر وبيباهي بالعنده...نحن اصحاب شهامة والكرم جنده   
ما في وسطنا واحداً ما انكرب زندو...البعجز بيناتنا بنسندو
للجار والصديق عشرتنا تتمنى...بنصون الأمانة السيدا أمنا




No comments:

Post a Comment