Sunday, October 21, 2012

تأمّلات زوج مُعاصِر: حصاد الخمسة أعوام الأولى


كان يوم التاسع عشر من اكتوبر ٢٠١٢ الذكرى الخامسة لعقد قِراني، فانتهزت الفرصة للجلوس مع نفسي لأُعيد شريط الذكريات بحلوها ومُرّها ولأُراجع مُدوناتي وخواطِري ففي طياتها حَفِظت افكاري ومُعتقداتي مُنذ ايّام الشباب المِثالي ومنذ زمن الطُموح الذي لم يعرف سقفاً ولم يقبل انصاف الحلول. ان من المعلوم ان خمسة اعوام تُغير الانسان لدرجة انه قد لا يكاد يعرف نفسه لو التقى عقله الاصغر سنا بعقله الاكبر سنا، ولكن هذا اللقاء شيئ ولقاء العقل المُتزوّج بعقل ما قبل الزواج شيئ اخر. فتحوُّر الفِكر بفِعل الزمن يشبه التحوّر الطبيعي للشعوب بغرض التفاعل مع تطور الاحداث والتكيّف مع مُستجدات العصر، امّا تبدُّل الفِكر نتيجة الزواج فهو أشبه بالتغيّر السياسي نتيجة انقلاب عسكري، او لِنَقُل نتيجة ثورة شعبية على غِرار الربيع العربي، ويُضاف هذا التغيّر القسري الى التحوّر الطبيعي الذي أشرنا إليه سابقا فتكون النتيجة تغيّرا مُركّبا يصعب فكّ عناصره وتحليل مكوناته.

الحياة ضِلع أعوج
لطالما سألت نفسي عن سر خلق الله للمراة من ضلع اعوج، فحكمة فالله وسعت كل شيئ ولو شاء لخلقها من عظم مستقيم كعظم الساعد او الفخذ او الساق. ولكن بعدما تزوجت وجدت ان الحكمة ربما كانت في الاعوجاج ذاته، فالعظم المستقيم لا فائدة منه لو كان المطلوب هو الاعوجاج. اما من الناحية الفسيولوجية فوظيفة الضلع كحامِي للقلب والرأتين تتطلب أعوجاجه ولولا هذا الاعوجاج لصار اكثر هشاشة واقل تحمُّلا للصدمات. وأما من الناحية الفلسفية التجريدية فالاعوجاج هوالتضحية بميزة الاستقامة مقابل خدمة هدف أسمى وأجل. إن الشاب المثالي منّا يحلم ان يطير الى السماء بلا ريش واجنحة، ويحلم ان يهزم الشرّ والطُغيان بلا عُدّة وعتاد، فهذه الاحلام تفترض الاستقامة في الاشياء ولا تحسِب حسابا لإعوجاج الارض بجاذبيتها ولإعوجاج الخير بحاجته الى القوة حتى يفرض نفسه رغم انه الأصلح. لقد علمتني زوجتي انني لو استطعت أن اتغلب على اعوجاجها دون كسرها فانني سوف استطيع ان احلق الى السماء رغما عن جاذبية الارض وأن اُعْلِي الحَق بتجهيزه بعُدّة العلم والعمل والصبر، وبذلك تتحقق الاستقامة دون كسر قوانين الطبيعة وقوانين البشر. وبالمقابل فأن على زوجتي ايضا ان تتغلب على اعوجاجي فالاعوجاج قيمة نسبية ترتبط بنقطة مرجعية المُراقِب. 

الفرق بين التطابُق والتناسُق
ان للتطابُق في الآراء والمبادئ رومانسية شديدة الجاذبية فيزداد تعلُّق الحبيب بحبيته إذا علِم أنّها تُشجع نفس الفريق الذي يعشقه هو، وبالمقابل تسعد هي اشد السعادة اذا علِمت انه يحُب نفس الروايات التي تحبها هي. أمّا التناسق في طُرُق وآلِيّات التفكير فحظّه أقل في التقريب بين الطرفين. والسبب في ذلك هو ان ذات الخُطوات التي يخطُوها شخصان للوصول الى رأي ما حول موضوع خِتان الإناث مثلا قد تؤدي الى رأين متناقضين تماما وبالتالي يحدث تملمُل وتعافُر قد يؤديّان الى اختلاف وتنافُر. علمني الزواج ان التطابق رغم حلاوة مذاقه الا أنه يُلغي الحكمة الإلهية من التناسل الجنسي، فلقد شاء الله ان تكون الحياة نتيجة تلاقح طرفين ياتي كل واحد منهما بصفاته الوراثية ليمزجها مع صفات الطرف الآخر ومن ثم تعمل الطبيعة عملها فتأخُذ الأقوى والأصلح من كل صفة فيكون النسل أكثر تنوعا ومقدرة على التأقلُم والنُمو. إن التطابق في الآراء والمذاقات يحرم النسل من تذوّق تنوع الحياة ويسلِبه فرصة إعمال العقل والتدبّر في موسوعة الأفكار التي تُطرح في بيئته. إن التناسُق برغم إحتمال مرارة طعمه إلّا انّه الدواء الانجع فوق التطابُق الحُلو الذي قد لا تزيد قيمته على ثمن السّكر المذاب فيه.

مثنى وثلاث ورباع
لقد كان احتمال التعدد دائما وابدا حاضرا في وعيي منذ سن مُبكرة وحتى ما بعد عقد قراني بشهور، وأمّا سبب اصراري على ابقاء هذا الخيار حيا كانت قناعتي بأنه حق إلهي. ومن المعلوم ان الحق اذا تخلّا عنه صاحبه فإنه يفقده ولا يستطيع رده الا بعد مشقة وعناء شديدين، وبالتالي فإن من الحكمة الإحتفاظ بالحق دائما وأبدا بِغَض النَظَر عن ما إذا كان سَيُمارَس هذا الحق أم لا. ومِثال هذا حق التصويت في النظام الديمقراطي، فالمواطن يُريد أن يمتلك حق التصويت وحق الإمتناع عن التصويت معا وفي آنٍ واحد. ولكن بعد الزواج أخَذَت زاوية نظري إلى هذا الموضوع بالدوران فتحول الجيب الى جيب تمام (مصطلح هندسي)! إنّ أسباب التعدد كثيرة، فمِنها ما هو إستجمامي مثل الرغبة في التمتّع بالجديد والمُحَسّن، ومنها ما هو إضطراري مثل محاولة الهروب من مشاكل وهموم بيت الى طمأنينة وسكينة بيت آخر. كما أنّ هناك اسباب اجتماعية مثل كفالة الايتام وإحصان المُطلّقات والارامل وقليلات الحظ. أمّا هذا فلا قدح فيه إلّا انه ليس مُحفزا لي للتمسك بحقي في التعدد فهذه مسؤولية وواجب اكثر منه حقا.  وأما التعدد لغرض الهروب فالعاقل يعلم ان الهروب من المصائب لا يحلها بل يعقدها كما انه ليس هناك أسوأ من إحتمال أن يتحوّل الملجأ والملاذ الى مصيبة أخرى فيتأرجح الرجل بين مصيبتين. أما فيما يخُص التعدد بغرض التمتّع والإستجمام فإن القدح فيه حلال بل ومرغوب إلّا في استثناءات دقيقة، ذلك لانّ القُرآن وضّح أنّ التعدد هو الاستثناء والشذوذ وليس القاعدة والبديهة. لقد إتضّح لي مع إنقضاء الأيّام أنّ التوقيع على عقد القِران يُلزم طرفيه بخلع كلمة انا واستبدالها بنحن، فيكون حسم اي تضارب للمصالح مرهونا بتفضيل مصلحة الجماعة على الفرد وسعادة الوحدة على العُنصر. هذا بعض من فكري في هذا الموضوع في يومي هذا، ولكن رغم ذلك فإنني لن أُسقِط حقّي (او مسؤوليتي) في التعدد فالايّام علمتني ان الفِكر متحرك وزاحف كرمال الصحراء، وأنّ أولويّات من تنكوي يدُه في النار تختلف ممن تنتعِش يدُه في الماء الفاتِرّ!

إن الزواج هو سُنّة من سُنن الحياة بِه يتحقق إستمرار البشرية بالنمط الصحيح. وهو ايضا مدرسة الواقع التي تُعلّمنا ان الحياة بها اعوجاج ونُقصان وأنّ الحكمة تكون بسياستها بالعقل والعلم لا بِكسرها بالقوة والتَعسُّف. كما أنّ الزواج هو سِجن الأجيال يَحبِس فيه الآباء أنفُسهم طوعاً لصالح الأبناء فيتخلّون عن حرياتهم الشخصية وعن احلامهم الطفولية ليستبدلوها بمسؤولياتهم الاسرية وبواجباتهم التربوية. هذا ما كان من الخمس سنين الاولى، وللحديث بقية لو صار في العمر بقية.  

No comments:

Post a Comment