Saturday, October 13, 2012

خروف الكرسمس


أصدر مجمع الفقه السوداني فتوى يجيز فيها الإقتراض لغرض شراء اضحية العيد بشرط ان يكون المقترض "قادرا" على سداد الدَيْن إمّا دُفعة واحدة او بالاقساط. كما أكد المجمع على أن الاضحية سُنّة مُؤكدة عن رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام. وكما هو الحال مع أي ظاهرة أخرى في السودان، فإنه ليس هُناك إحصائيات عِلْمية موثوقة تُمكّنا من دراسة مدى إستشراء ظاهرة شِراء خروف العيد بالاقساط، إلّا ان إقدام مجلس الافتاء على مُناقشتها والإدلاء فيها يُشير الى نُموها مِن إستثناء نادر الى واقع معاش. لن يطعن هذا المقال في فتوى خروف الاقساط من ناحية فقهية فعِلمي في هذا المجال لا يُضاهي علم اعضاء مجمع الافتاء، ولكن سوف اطرح سؤالين حَفّزتهُما هذه الفتوى لعلّني ازداد علما بِمعرفة إجابتيهما، ومن ثَمّ اضع افكارا تتعلق بالتبِعات الإجتماعية لهذه الظاهرة.

كعادة وسائل الإعلام السُودانية، فان الخبر الذي نُشِر عن الفتوى لم يُبيّن حَيثيّات الفتوى: اسبابها، إسنادها ومنطقها، بل اكتفى كاتب الخبر بإعطاء الخُلاصة في زمن يبحث القارئ فيه عن ما وراء الخبر ويقرأ بين سطوره. وفي هذه الحالة فإنه لا مفر للقُرّاء مِن مُحاولة ملأ النواقِص بالافتراض والتخمين، فكان افتراضي انّ الفتوى قامت على مبدأ أن اقتراض المال عُمُوماً هو مُعاملة ماليّة أقرّها الاسلام وأجازها بضوابط معلومة. وأمّا النحر فهو سُنّة مؤكدة لا جدال في أصالتها بشرط الإقتدار. إذاً فالمنطق يقول ان الجمع بين فعلين جائزين، اي الاقتراض والذبح، يُؤدي الى ان نتيجة الجمع هي جائزة ايضاً. وسُؤالي هنا كالاتي: هل الجمع بين حلالين دائما ما يؤدي الى حلال؟ 

كنت قد إطّلعت على إحصائيات تقول بان نِسباً مُقدرة من الامريكيين يبدؤون السنة الجديدة من كل عام مُحَمّلين بديون مُرهِقة جرّاء إستخدام بطاقات الائتمان لِشراء هدايا أعياد الميلاد ورأس السنة، ورغم أنّ حوالي ٥٦٪ من مستخدمي بطاقات الائتمان يسددون هذه الديون في غضون شهر الى أنّ البعض الآخر يضطّرون إلى التسديد بأقساط تمتد أحيانا الى رأس السنة التالي او أبعد من ذلك. إنّ مُتوسط مديونيّة الاسرة الامريكية لشركات بطاقات الائتمان يبلغ حوالي ١٥,٧٩٩ دولار بينما تربح هذه الشركات ١٨ مليار دولار من الفائدة على الديون وغرامات تاخير الدفع. [1]

هذا على صعيد الأفراد، أما على الصعيد العام فان الدين العام الامريكي قد فاق ١٣ ترليون دولار وما يزال في طريقه الى الإرتفاع، مما حدى بعُلماء الاقتصاد والادارة الى دق ناقوس الخطر والتنبيه بالمخاطر المُحدِقة بالاقتصاد وبالامن القومِييّن في حال إستمرّت ثقافة الاقتراض في الاستفحال. إنّ خلاصة هذا الحديث هو ان رغبة الامريكيين في مد ارجرهم ابعد من طرف الفحتهم في سبيل التحصل على اشياء ليست من الاساسيات، بالاضافة الى تيسير البنوك والمؤسسات المالية لشروط الاقتراض ادت بالنهاية إلى خلق فِئات مجتمعيّة تُعاني من ضغوط قاسية وإلى حُكومة مُعسِرة تقترض من مُقدرات الأجيال القادمة حتى تُحافظ على مستواها المعيشي اليوم. إن سؤالي الثاني يقول: هل تقع على عاتق مجامع الإفتاء مسؤولية توعية المجتمع بالعادات السالبة والتحذير منها حتى لو كان الجواب التقني البحت لهذه العادات هو الجواز، ام أنّ هذه المجمعّات سوف تستمر في التقوقُع داخل أسوار مجتمعها الأكاديمي المبني على أفكار تتقدم بسرعة السلحفاة في زمن يسير فيه العالم بسرعة الضوء؟

 إنّ المُثير للتحفّظ هو تاكيد الفتوى على البديهي وهو أنّ الاضحية سُنة مؤكدة ولكنها في الوقت ذاته اهملت ان فقه الاولويات هو ايضا نابع من سنن مؤكدة، فالكُتب المدرسية والحِصص الإضافية والكشف الطبي العام والدواء وترميم المنزل وتركيب خزان الماء لوقت الحوجة وتجميل واجهة البيت بازهى الوان الطلاء وتشجير عتبة الشارع بالورد المونع والريحان المنعش، وارتداء اللبس الحسن والنعل الحسن، فالله جميل يحب الجمال، وتغيير عجل السيارة المهترئ لسلامة الركاب وراحتهم، فالله يحب  الإتقان، فكُل هذه أوليّات منها ما هو فرض عين ومنها ما هو فرض كفاية ومنها ما هو سُنّة مؤكدة ومنها ما هو أقل من ذلك. أود هنا ان اترككم بسؤال اخير: هل يجوز أن يُفرط رَبُّ المنزل في أي من هذه الواجبات الاسرية والاجتماعية لكي يضحي؟ الله اعلم.

[1] http://www.statisticbrain.com/credit-card-debt-statistics/ 

No comments:

Post a Comment