Saturday, July 28, 2012

السودانيّون والكسل: حقيقة أم إستنتاج من حقيقة؟



شُغِف الاعلام السعودي في الأيّام القليلة الماضية بنتائج دراسة صَنّفت السعوديين في المرتبة الثالثة عالميا ضمن اكثر شعوب العالم كسلا إعتمادا على إحصاءات أنماط الحياة ونِسب الرياضة والحركة البدنية ومُعدلات الأمراض المُزمِنة مثل السكّري وأمراض القلب. ليس هذا سبباً للتعليق في هذا المنبر فالدراسات تصيب احيانا وتخطئ احيانا أخرى. ولكن ما استحق التعقيب هو أن بعض وسائل الاعلام ومن ضِمنها قناة العربيّة قامت بِعَنونَة الخبر كالآتي: السعوديون الثالث عالميا في الكسل والسودانيون براءه! أثار هذا العنوان حفيظة الكثيرين من السودانيين فلقد أحيا هذا العنوان تعميماً شائعاً بين العرب بأنّ السودانيين من أكثر شعوب الأرض كسلاً. لقد أتاحت مُناسبة هذا الخبر فرصة ثمينة لنا كسودانيين لكي نتأمّل في هذا الإتّهام ونستخلص منه أسباب هذا الاعتقاد ومدى صحته فعلى رأي المثل: لو أخبرك اثنان أنّ أُذنك ليست موجودة فعليك أن تلمسها.


 لو كان المقصود بالكسل حب الإسترخاء و"الركلسة" فإن كلّ ابن آدم مجبول على ذلك ولهذا تُباع التلفزيونات العريضة والكنبات المريحة ولهذا تعج المقاهي بالمرتادين وتزدحم المجالس بالمواظبين. ولو كان المقصود بالكسل هو الجنوح إلى تقليل الجهد وترشيد العمل فإنّ غريزة البقاء تدفع الانسان الى الاقتصاد في موارده، كما أنّ مِن وصف جنّة الخُلد أنّ قاطنها لا يبذل من الجهد شيئا فيأتيه طلبه بدون تحريك مفصل مما دلّ على أن تقليل الجُهد هو غريزة إنسانية محببة الى النفس. إن كلّ من ارتحل في بقاع الدنيا سيجد أنّ الانسان حيثما كان يميل الى الاسترخاء والسكون إذا ما سمحت الظروف ومُتطلبات الحياة. يضاف الى ذلك أنّ تحقيق أكبر عائد ممكن بِأقل جهد ممكن هو ما يميز الانسان الذكي عن الحمار النشيط. هناك حكمة شائعة بين المهندسين تقول بأنّ المُهندس الكسول هو مُهندس جيّد، فالكسل يدفعه الى إبتكار وسائل تقلل الصرف على العمالة والموارد بدون التقصير في الجودة. نستخلص من هذا الحديث أنّ حال الانسان السوداني في الميول للاسترخاء وتقليل الجهد هو حال باقي البشر. 


ولكن بالمقابل فإن كل من يدرك حجم موارد السودان وطاقاته الكامنة ويقارنها بمخرجات الانتاج فإنه سوف يستنتج وجود عِلّة في المواطن السوداني. فليس من المعقول أبداً أن يجوع قاطنُوا أرضٍ خصبة يأتيها الماء من جوفها ومن سمائها ومن بُحورها ومن أنهارها. ولو كان السودان يستورد دقيقه وزيته بالدولار اليوم فلقد كان يأتيه الدقيق والزيت من الدول المانحة والمنظمات الخيرية كصدقة بالأمس. إنّ هذا الفشل له أحد تفسيرين وليس سواهما: التفسير الأول هو أنّ السودانيون كسولون كما يرى العرب. ليس هذا صحيحا فلقد رأيتُ كيف أنّ مُزارعي القرى وعمّال المصانع والحرفيين والباعة المتجوّلين وسائقي الحافلات يخرجون كل صباح تحت هجير الشمس ولفيح السًّمُوم ليترصّدوا لُقمة عيشهم لا مبالين بِقلة المردود ولا بقسوة الطقس ولا برداءة بيئة العمل ولا بتربُّص المسؤولين الذين يخطفون رزق المواطن من فمه باسم الضرائب والجبايات.


أمّا التفسير الثاني فهو أنّ السودانيون لا يجيدون إدارة الموارد ولايفقهون فنون التخطيط ويعانون من قِصَر النظر ومن ضعف الرؤية. يؤيّد هذا التفكير الأساليب البدائية التي يستخدمها عامّة الناس من مزارعين وحرفيين وصنّاع في الإنتاج فلا يكاد المزارع الواحد ينتج ربع ما ينتجه قرينه في باقي العالم ولا تكاد جودة عمل الصانع والحرفي تكون مقبولة كسلعة تستحق شراءها بمقابل مادي. هذا من باب القصور في إدارة الموارد الطبيعية والبشرية. أمّا أسباب هذه فتعود إلى القصور في التخطيط وضعف الرؤية، فالتدريب والتأهيل ورفع معايير الجودة وتوفير مُدخلات الإنتاج وتحسين بيئة العمل وتيسير قوانين الاستثمار والعمل الحر كُلّها أولويّات تُؤتي أُكلها في المَدَيَين المُتوسط والبعيد ولكن شغف المسؤولين بتقليل الصرف وتكثير دخل الحكومة في التو واللحظة يقتُل فُرص النُمو في المُستقبل ويبقي الوطن في دائرة الفشل المفرغة.


لقد قادنا حديثنا هذا الى أنّه لا محالة من الإختيار بين الكسل وبين ضعف الفكر عند تعليل أسباب الفشل. لكل شخص رأيه الذي هو من حَقّهِ، أمّا أنا فأختار الكسل بدلا من سوء التخطيط والتنفيذ، فالإنسان الكسول قد يكون ذكيا فيعوّض بعقله عن كسله ولكن حِصان الحِراثة النّشيط سيبقى حِصاناّ ليس أكثر. 

3 comments:

  1. الكسل هو كسل العقل عن الابتكار و التخليق و ليس هو كسل الجسم عن القيام بالشاق من المهام و في هذا ارانا شعي قمة في الكسل ، اذهب الى اوروبا و امريكا تجدهم للا يقومون بمجهودات جسدية فكل اعمالهم يديروها و هم جلوس في اماكنهم و تجدنا في السودان ندير كل اعمالنا باجسادنا و لا نحرك عقولنا.
    نسال الله ان يتوب علينا و يمن علينا بعقول تغيرنا و لا نغيرها.

    ReplyDelete
  2. أنّ تحقيق أكبر عائد ممكن بِأقل جهد ممكن هو ما يميز الانسان الذكي عن الحمار النشيط Well Said

    ReplyDelete
  3. المشكله ايضا قد تكون فقدان القياده الراشده وغلبه المصلحه الشخصيه ع العامه او ربما عرقله الامور والخطط من باب العناد والكبر كلها احتمالات مطروحه ويظل المشكل قائم وكان الله فى عوننا

    ReplyDelete