Sunday, July 8, 2012

إعلان وظيفة 2 :مواصفات البديل


كنت قد بدأت الحديث عن سؤال البديل في مقال سابق وخلُصْت الى أنّ الإجابة على سؤال البديل تحتاج أوّلا إلى الاجابة على سؤالين مبدائيين. أوّلاً: ما هي مواصفات البديل الذي نبحث عنه ومن ثُمّ كيف يُصنع البديل لاننّا إذا عرفنا كيف يُصنع فإن البحث سوف يتركّز في المواضع التي تتوفر فيها مقوّمات صناعته وبالتالي يسهل رصده. خَتَمْت النقاش حينها بطرح السؤالين دون الإجابة عليهما وَاعِداً بإكمال الحديث في وقتٍ لاحق. وبما أنّ بوادر الانتفاضة في السودان قد أعادت السؤال الى الواجهة مرة أخرى فإن اكمال الحديث الذي بدأناه في هذا الموضوع قد وجب. 

البديل فكرة أم إنسان؟
ظهر بقوة إتّجاه جديد يدعو إلى أنّ البديل هو مجموع مبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة ودولة المؤسسات. أثار هذا الاقتراح فضول الكثيرين وحفّز اعجابهم وكنت أنا أول المعجبين. ومِن هذا السِياق فإنّه من الحكمة وضع هذا الجواب تحت المجهر وتحليله تحليلاً أكاديميا يليق بأهميته. لا يخفى على أحد أنّ المبادئ التي طُرِحَت كبديل هي أفكار بحتة تَوصّل إليها الفلاسِفة بعد إمعان ونزلت مع الانبياء والرسل كمنهاج حياة لمن آمن برسالاتهم. ولكي تتحوّل هذه الافكار من حبر على ورق وموجات كهربائية في خلايا الأدمغة إلى تطبيق عملي وواقع مُعاش فإنّه لابد من وَسَط يَنقُل هذه المبادئ من عالم المحسوس الى عالم الملموس. يقودنا هذا الى استخلاص ان البديل هو الإنسان القادر على تحويل الآمال والتطلّعات من مبادئ وشعارات الى سياسات اقتصادية واستراتيجيات تنمويّة وآليات عدلية ومُؤسسات إجتماعية تُثبت نتائجها بالأرقام والجداول، فالأعمال بالنيات عند الله تعالى وحده ولكن الانسان يحكم بالنتائج الملموسة. ينطبق هذا الاستنتاج ايضا على مفهوم المؤسسيّة فالمُتأمِّل في التاريخ يجد أن السودان ورث من بريطانيا العظمى مُؤسسات تَدَاوُل سُلطة وخِدمة مَدنية على أعلى مستوى إلّا أنّ إنعِدام البَديل الإنساني أدّى الى تقهْقُر هذه المؤسسات الى هياكل اسمنتية لا تضر ولا تنفع وإلى قوانين ومواد حَبيسة الكُتب والُمجلّدات. وبِما أنّ المبادئ مُتّفق عليها فإنّ هذا المقال سوف يتجاوزها لِبديهيّتها وسَيلْتَفِت للحديث عن مُواصفات الإنسان البديل الذي سوف يَتَوجّب عليه تطبيق هذه الميادئ.

البديل هو أنت
وأمّا الشِق الآخر من الإتجّاه الجديد فهو فكرة أنّ البديل هو "أنت" والمقصود هنا الشعب بكُليّاته طُلّابا وأساتذة، عاملين ومربين، مِهنيّين وتُجّار، مُزارعين وصِناعيين، حَاكمين ومحكومين. إن الناقد المُحايد سوف يُشير إلى أن "أنت" كان دائما وابدا موجودا منذ الأزل وبالتالي فإن وجود "أنت" لا يؤدي تلقائيا إلى وجود البديل. يقودنا هذا الى أنّ هناك خطوات معالجة مفقودة بين المادّة الخام التي هي "انت" وبين المُنتج النِهائي الذي هو "البديل". إذاً فإنه يمكننا إعادة صياغة عبارة "البديل هو أنت" إلى "أنت مشروع بديل". فبين مشروع البديل وبين البديل تعليم وتربية وتثقيف ثم يتبع ذلك فُضول وحُب إستطلاع وبَحْث وتَنميّة مَواهب وتَراكُم خِبْرات فيُولّد ذلك جِديّة في الأداء وسعي نحو الكمال واهتمام حثيث بالتفاصيل فيُرَبّي ذلك الصبر وسِعة الأفُق والتطلّع للمدى البعيد.

فريق البديل
بعد أن إستنتجنا أن البديل هو الإنسان وأنّ "أنت" سيبقى مشروع بديل حتى تُسْتُوفُى إستحقاقات البديل، فإنّ السؤال سوف يتحوّر إلى الآتي: ما هي مواصفات الانسان البديل؟ إنّ البديل هو ليس فرد وحسب وإنّما هو جماعة تعمل بِرُوح الفريق وتُكمّل بعضها البعض لبِناء صرح البديل. وكما هو حال أيّ فريق فإنّ المسؤوليّات والأولويّات سوف تختلف وإنّ الأدوار سوف تتحدد بحسب الحوجة. إنّ فريق البديل بحاجة إلى طاقم فنّي يَرسم استراتيجية الفريق وهيئته العامة فلكل مدرب رؤية واسلوب. يتمتّع الطاقم الفنّي بمقدرة إداريّة فذّة وبنظرة استراتيجية وبافق واسع يتجاوز الملعب الى غرفة الملابس وأرض التدريب وصالة الليّاقة البدنيّة. كما يتجاوز أُفق الطاقم الفنّي ايضا المباراة إلى الموسم والبطولة. كما أنّ الفريق بحاجة إلى قائد على أرض الملعب يكون مثلا أعْلى لرفاقه في بذل الجُهد ودِقّة التنفيذ والمقدرة على إنتاج النجاح. والفريق بحاجة ايضا إلى ذوي الخِبرة مِن كِبار السِن الذين يأخُذون بِيد الشباب الواعد المَوهوب فيكسبونهم الثِقة ويُسدونهم النُصح ويعلّمنوهم التركيز وهدوء الأعصاب عن طريق القيادة بالمثال والإحتكاك الإيجابي. بالإضافة إلى ذلك فإنّ فريق البديل سوف يكون في أمّس الحوجة إلى الشباب المليئ بالحماس والحيويّة فيَسْتغلّون طاقاتهم لتجسيد رؤية المدربّين ولتحويل حِكمة ذوي الخبرة الى أهداف ونقاط.

لقد أثبت فشل سياسة السَوْدَنة التي انتهجتها حكومة الزعيم الازهري بعد جلاء القوات الانجليزية أن للمؤسسية مَنَاعَة محدودة جداً ضِد إنعِدام أهليّة الإنسان القائم عليها وأنّ النُظُم واللّوائح لا تُغني عن الإنسان المؤهل للقيادة وصِناعة التَغيير. فلقد صَمدت مؤسسّات بريطانيا أمام إختبار رِيادة العالم لِمُدّة مئات السنين لكنها عندما ووجهت بضعف ارادة الإنسان وسُوء إدارته سقطت في بِضع سنوات لا يتجاوز عددها أصابع اليدين. إنّ هذه "الوَنَسة" عن مُواصفات البديل لا تكاد أن تكون أكثر من فاتحة شهيّة للنقاش، وربّما يكون مكانها الحقيقي كِتاب لا تقِل صفحاته عن الألف صفحة. فلنبدأ النقاش. أمّا عن كيفية صِناعة البديل من خامة "أنت" فسنفرد له مساحة خاصة فالكلام فيه يطول.


متعلقات:

1 comment:

  1. كلام منطقي و واضح , انا أرى أن الشعب هو البديل يجب انشاء مؤسسات تعتمد اعتمادا كاملا على رأي الفئة المرشحه من الشعب , وان تكون لهذه المؤسسات حصانة من الجهات التنفيذية الممثلة في رئاسة الدولة , وكذلك حماية الصحافة من البطش الأمني وكذلك حماية القضاء السوداني ...ولكن الإعتماد على شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص على أنهم المخلصين للمجتمع من التدهور الاقتصادي,, لا يمكن ان يكون واقعيا , لأن التجارب أثبتت فشل الايمان بأن هناك شخص مخلص للبشرية من التدهور , لأن الانسان بطبيعته قابل للإغراء

    ReplyDelete