Wednesday, June 27, 2012

لا بد من ثورة فالثالثة ثابتة

زبدة الكلام: لا بُد من ثورة ثالثة في السودان حتّى يترسّخ الدرس بأن الثورة السياسية ليست بديلا للثورة الاجتماعية.


حُجّة القاعدين
بعد تأمّل وتدبّر عميقين وصلت أخيرا إلى قناعةٍ راسخة بضرورة إحداث انتفاضة ربيعيّة في السودان. لم أصل الى هذه القناعة عن طريق مُناشدات شباب الثورة فالمسافة بين سلامة منطقهم وبين الحقيقة في نظري هي نفس المسافة بين الحقيقة وبين مَنطق المنادين بالتَرَوِّي والتَأنِّي فلِكُل طرف حُجَج وبراهين تستعصي على الطرف الآخر. فالُمنادون بالثورة يُصِمّون آذانهم كُلّما أُخرِج كَرْت سؤال البديل غير مُدركين أن تَجاهُل السؤال هو موافقة ضمنية على أصالة السُؤال وإقرار بتعقيد جوابه. أضف إلى ذلك هشاشة وضع السودان في وجه العِصيان المسلّح على الحدود وضبابية العلاقة بين السودان وجنوب السودان. ورغم أنّ سبب هذه الهشاشة هو النظام الحاكم نفسه إلّا أنّ هذا الإدراك لا يُغيّر مِن واقع الحال على الأرض. 


 حجّة الثوّار
ولكن بالمُقابل فإنّ الحقائق تقول بأن حال الوطن يترنّح بين سيّئ وأسوأ منه. فالتدهور الاقتصادي المريع وتقصير أولياء الأمور في حسم ملفّات إتّفاق السلام الشامل ومِحنة دارفور وشُيوع الفساد المالي وعجز الرؤية الاستراتيجية أيّاً مِنها كفيلٌ بإقناع أكثر المُشككين تشدُّدا بضرورة إحداث تغييرٍ شامِل في جميع أُصول الدولة وفروعها. كما أنّ رئيسا مطلوباً للمُثول أمام العدالة الدولية لا يعدوا أن يكون عالة على شعبه فالعزلة التي صاحبت نكبة دارفور لا يدفع ثمنها إلّا عامة الشعب. وكان الأحرى برئيسنا أن تدفعه  شهامته، او "جَعْلَنَتُه"، للتنحّي من أجل مصلحة أبناء وطنه.


نصيب السودان من أنظمة الحكم
وبينما بندول عقلي يترنّح بين حقائق جفاف حوض الوطن من "البديل" بسبب التصحر الفكري وبين حُلكة النفق الذي قادنها اليه حُكّامنا، وُلِدت فكرة رجحّت كفّة الثورة بما لا يدعُ مجالاً للشكّ. لقد كانت حجتي لصالح القعود عن إسقاط النظام مبنية على دروس تعلّمتها من تاريخ السودان المعاصر. تقول الحُجّة بأنّ السودان نال حظّه مِن تقلّب أنظمة الحُكم بشتى ألوانها على امتداد خمس عقود فكانت الديمقراطية الأولى ثم الدكتاتورية الأولى ثم الانتفاضة الأولى التي مهدّت للديقراطية الثانية ثم الدكتاتورية الثانية ثم الانتفاضة الثانية التي أفضت إلى الديمقراطية الثالثة ثُم إنقلاب الإخوان المسلمين الذي بدأ دكتاتورياً ثُم إنقلب ديمقراطياً على الورق في ٢٠١٠ أو كما قال المُراقبون الدوليّون. وفي خِضَمّ هذه المعمعة ذاق السودان جميع نكهات أيديولجيات الحكم من رأسمالية وشيوعية وأسْلَمَة وعَلْمَنَة.


الدكتاتوريات والديمقراطيات
أمّا الدكتاتوريات فلقد فشلت جميعها جملة وتفصيلا، وأمّا الديمقراطيات فقد خسرت تعاطف الناس معها فلم يبكِ عليها إلّا أعضاءُ أحزابها عندما أُجْهِضَت وكأنّ لسان حال الناس يقول: ليست الديمقراطية لذاتها الفلسفيّة وإنّما لما تنتجه من إعمار وتنمية وحفظ للحقوق. إنّ فشل الدكتاتوريات في السودان ليس مرتبطا تلقائيا بفكرة الدكتاتورية كمنهج عام فدول الخليج والصين أمثلة لدكتاتوريات ناجحة إذا كان مقياس النجاح هو معدل التنمية البشريّة والرخاء الإقتصادي. وبالتالي فإنّه يُمكن القول بأنّ فشل دكتاتوريات السودان هو مرتبط بخصوصية السودان عن غيره من الدكتاتوريات. وأمّا فيما يتعلّق بفشل ديمقراطيات السودان فهذا أيضا يمكن ربطه بخصائص ينفرد بها السودان تُميّزه عن الديمقراطيات الناجحة.


العامل المشترك الأكبر
هناك قناعة راسخة لديّ ولدى الكثيرين بأنّ أسباب فشل جميع محاولات الحُكم السابقة هي خصال متجذرّة في كيان المجتمع السوداني وأنّ مصير أيّ مُحاولات تالية سيعتمد على مدى مقدرتنا على حسم العامل المشترك بينها وبين سابقاتها. إنّ حصر هذه الخصال في هذه المساحة الضيّقة لن يكون سوى إستخفافٍ بها وتهوينٍ لحجمها كَمّاً ونَوعَاً. وبِما أننّي ذكرت الإستخفاف فإنّ من المناسب ذِكْرُ أنّ هذه الخِصلة هي أحد عاداتنا السالبة التي تدفعنا الى تَرجُّل الأشياء ونُقصَان العَمل وإهْمالُ تَحرّي الإتقان والدقّة في الأداء والتنفيذ. وبِما أنّ التنفيذ هو آخِر العَمل وجب ذِكْرُ أنّ فقر التخطيط وإنعدام ثقافة الإعداد السليم قبل بدأ العمل هي سِمَات نراها أينَما وجهّنا أنظارنا، ولا يقتصر هذا الضعف على العمل الحكومي وحسب وإنّما يمتدُ لِيشمَلَ جَميعَ مَناشِط الحَياة في السودان.


التِكرار يُعلّم الشُّطّار
لقد كان كُلّما نبّه الناشطون الإجتماعيون إلى ضرورة الإلتفات إلى تَوعيةِ المُجتمع وتقويم النشأ حتى تتشكّل قاعدة تقوم عليها أعمدة التنمية إلتفت الناشطون السياسيون ناحية  النظام القائم لتوجيه اللّوم عازفين عن الخوض في غِمار إصحاح المجتمع فهذا طريقه أصعب وأطول إلّا أنّه الطريق الوحيد المؤدّي إلى النتيجة المَرجوّة. وبما أنّ الناشطين لم يَستَوعِبُوا الدرس من التجارب العديدة الماضية فإنّ الأمل أنّ تجربةً أخرى قد تُرسّخ المعلومة وتحسِم الجدل حول هذه النقطة فلقد تعلّمنا في المدرسة أنّ التكرار يُعلّم الشُّطّار. فإذا لم نعي الدرس بعد هذا فينبغي أن نقول حينها: لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا لن يُنقذ السودان غير مُعجزة إلاهيّة!       

No comments:

Post a Comment