Sunday, June 17, 2012

حب الوطن بين الحقوق والواجبات

 ورد في الايام الفائتة أن شابا سودانياً تقدم بطلب رسمي أن تسقطه الحكومة من سجلاتها كمواطن "متنازلا" بذلك عن جنسيته السودانية وكل ما ألتصق بها من واجبات وحقوق. رسم هذا الخبر ابتسامة خفيفة في وجهي لم تكد تبرز نواجزي فكان هذا آخر هذا، أو هذا ما كنت أظن وقتها، فعلى ما يبدوا أن فعل هذا الشاب صار وجبة دسمة اجترتها صفحات المواقع المناوئة للنظام وغرد بها أهل تويتر بل ونادى البعض الى تنازل جماعي عن الجنسية السودانية احتجاجا على واقع الوطن اليوم. لن أحكم على تصرف الشاب المتنازل فلا أعلم ظروفه كما يعلمها هو، كما أنني لن أُعَلّق على رد فعل المُصفقّين للمتنازل فربما كانوا هم أعلم مني بظروفه. ولكنني سوف أغتنم الفرصة لدراسة ظاهرة لفتت نظري ونظر الكثيرين منذ مدة ألا وهي حالة برود مشاعر المواطن السوداني تجاه وطنه.


سؤالين مبدئييّن
هناك سؤالين لا بد من الاجابة عليهما قبل مواصلة القراءة فهما سيرسمان إطار مرجعيّة النقاش وإنّ التوافق على شكل جوابيهما سيحدد جدوى بقية الكلام. أما السؤال الاول فيقول: هل مشاعر المواطن السوداني العادي تجاه وطنه هي فعلا أضعف من مثيلاتها عند مواطني الأوطان الاخرى؟ وبما أن قُرّائي أذكياء فانهم سوف يلحقون بهذا السؤال سؤالا اخر: ما هو المقصود بالوطن في السؤال الاول؟ سوف يقول المِثاليّون أن الوطن هو حيثما وجد الانسان كرامته وحريته، وسوف يقول العرقيون ان الوطن هو جنس الانسان ولونه وسوف يقول القبليّيون أن الوطن هو العشيرة والنسب وسوف يقول الدينيون انه العقيدة والايمان. وفي كل هذه التعاريف شيئ من الصحة إلّا أن المقصود بالوطن فيما يخص هذه التدوينة هو رقعة الارض التي يتعارف المجتمع الدولي على أنها السودان وهي مجال سيادة جمهورية السودان وهي مكان الانسان السوداني سواء باختياره عن طريق الهجرة او بغير اختياره عن طريق الميلاد. الوطن المقصود هنا السودان بحلوه ومره وخيره وشره وحربه وسلمه وعطائه واخذه. هذا جواب هذا .ولو عدنا الى السؤال الاول وسلّمنا أن المشاعر والاحاسيس هي مما لا يمكن وزنه وقياسه فانه سوف يشق علَيّ إثبات فرضيّة ضعف حب السوداني لوطنه بما لا يدع مجالاً للشك. إن جوابي على هذا السؤال هو بنعم وسوف اترك الحُكم على افتراضي هذا لك عزيزي القارئ لتُقيّمَه بناء على احتكاكك بالمواطن السوداني ومقارنتاك له بمن عاشرتهم من مواطني بقية العالم.  


لماذا هذا الموضوع؟
عندما يبني الإنسان مشاعر موجبة تجاه فرد -كعطف الابوين بطفلهما او بر الولد بوالديه، او تجاه جماعة -كولاء الواحد لاسرته وقبيلته، او تجاه عِرض -كحِرص الشخص على ماله وداره، فإن هذه المشاعر سوف تُحَفّز صاحبها إلى بذل الغالي والثمين لحمياة ما يُحب من التلف والضرر وإلى السعي من أجل تحسين ظروف محبوبيه وبيئتهم. كما أنّه كُلما اشتدت قوة هذه العاطفة كُلما قلّ طمعُ المُحِب في تحصيل مقابل لجهده حتى تصل العاطفة الى منزلة الحب غير المشروط.  إن المبرر الأول لضعف مشاعر المواطن تجاه وطنه هو تقاعس الوطن عن الايفاء باستحقاقته في ميثاق المواطنة الذي يقول بان للمواطن حقوق وعليه واجبات وبالتالي فان انعدام الحقوق يبطل بند الواجبات. كُنت قد كتبت في مقال سابق أن جُلّ مشاكل السودان مرتبط بأسئلة تشبه في تركيبتها معضلة البيضة والدجاجة فلا يعلم من ياتي أوّلاً. إن انعدام الحقوق يعطي المواطن الحجة للتخاذل عن الواجبات وهذا الأخير يؤدي بدوره الى انعدام المكونات التي يحتاجها الاول لتوفير الحقوق! هناك إحتملان لا ثالث لهما لحل هذا الاشكال: فإمّا ان يلوّح الوطن بعصاه السحرية ويقول للحقوق كوني فتكون من لا شيئ، وإمّا أن يكون الوفاء بالواجبات غير مشروط بأخذ الحقوق أي أن يكون حب الوطن مجردا من التوقعات وبذلك نعطي الاجيال القادمة فرصة لمعادلة موازنة الحقوق والواجبات.


الوطن ملكي انا وحدي
ان طبيعة الانسان تقوده إلى الإهتمام بمُلكِه الخاص فيوفّي حقوقه دون ملل او تردد فصاحب المنزل أحرص على منزله من غيره فيعتني بنظافته وصيانته، كما ان صاحب التجارة أحرص على تجارته من غيره فيراقب العُمّال خشية الفساد والسرقة ويهتم بتجويد العمل من إجل ارضاء الزبون. لقد تعلّمنا منذ الصغر أن الوطن ملك الجميع. وكان المقصود هو ان على الجميع مسؤولية الحفاظ على مكاسب الوطن، ولكن هذا القصد انقلب الى فهم أن الوطن ملك لي أنا وحدي عند أخذ الحقوق فيَغرِف كُل واحد بقدر ما استطاع، وأمّا وقت سداد الواجب فإن الوطن ملك للاخرين، وبهذا يكون اخذ الحق فرض عين وأداء الواجب فرض كفاية. ولكن ماذا لو علّمْنا نحن أبناءنا أن الوطن ملك للاخرين عند اخذ الحق فيفسح المواطن الطريق ولا يأخذ أكثر من حقه ولا يعتدي على المال العام لأنّه ملك لغيره، وأمّا وقت أداء الواجب فهو ملك خاص بي وحدي أرعا منشآته كما ارعى بيتي وأحفظ ماله كما احفظ مالي فأهتم بنظافة الشارع كانه صحن منزلي وأمنع المرتشي والمُتَعدّي على مال الوطن كما امنع اللص المُتَعدّي على حُرّ مالي.


وبغض النظر عن أسباب البرود العاطفي بين الوطن والمواطن، فإنّ من المؤكد أن نهوض الوطن لن يتحقق الاّ إذا رفعنا درجة حب المواطن لوطنه بإتجاه الحب غير المشروط. وبما أنّني لستُ من خريجي كليّة التربية ولا أدّعي العِلم بفنّ صِياغة المناهج الدراسيّة فإنني لن أخوض في هذا الاتجاه، ولكنني بالتأكيد سوف أُشَرِّب حُبّ رقعة الأرض التي هي السودان في قلوب بناتي وسوف اغني معهم: سوداني الجوا وجداني بريدو الحُبّو علاّني والسماءه ضلاّني بريدو..



1 comment:

  1. نعيب أوطاننا والعيب فينا .اجد نفسي اتفق معك في اننا قعدنا عن واجبنا تجاه الوطن . كثيرا ما يدمي قلبي ان اجد نفرا ليبرر فشله بان يصب لعنته في بلد مكلوم الفؤاد ابتلي بجحود أبنائه وتقاعسهم في بناء وطن كريم يسع الجميع .فشلنا في كسبنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي .العيب فينا نريد ان نأخذ دون عطاء ،نبتغي حقوقا والتي يفترض ان تتحقق بالتزام واجباتنا .

    ReplyDelete