Friday, June 1, 2012

تاملات في حد الرجم 2

هذا المقال رد لطيف على مقال مُتقن لتسنيم جعفر كتبت فيه عن حد الرجم تجدونه بالنقر هنا


الأخت العزيزة تسنيم:
كُنتُ قد حضرتُ لقاءً مع المُفكّر الإسلامي الدكتور محمد راتب النابلسي قال فيه أنّ الحقّ يُدرك عند نُقطة إلتقاء أربع محاور. عدّد النابلسي  هذه المحاور كالآتي: أولاً النص الصحيح، ثانياً العقل الصريح، ثالثاً الفِطرة السليمة ورابعاً الواقع المُصدِّق. وبيّن فضيلته أنّ الحق يُمكن أن يُعرّف على أنّه كل ما جاء به النَّص الصحيح من القرآن والسنّة وقبِله العقل الصريح الذي لا يميل للهوى وإطمأنّت له الفِطرة السليمة التي تنزع إلى الخير ومكارم الأخلاق وصدّقه الواقع المُعاش من علوم ونتائج تطبيقيّة. إنّ الهدف من هذا المقال هو إستخدام آليّة المحاور الأربعة كإطار للرد على مقالك الذي عقّبتي فيه على من كتب رأيه في موضوع حد الرجم.


النص الصحيح والعقل الصريح
إنّ النص الصحيح من القراّن يقول: الزانيّة والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. أمّا النصوص الصحيحة من السنّة فتوضّح إنّ رسول الله عليه أفضل السلام قد رجم الزاني المُحصن. وبعد أن قبِل العقل الصريح بصحّة النصوص فإنّ الخطوة المنطقيّة التي تلي ذلك هي دراسة النصوص دراسةً موضوعيّةً لا تؤثّر عليها الأحكام المُسبقة والمُسلّمات الموروثة. ولو فعلنا ذلك من باب البحث عن الحقيقة فإنّ هذه النصوص سوف تقود إلى سؤالين عفوييّن أوّلهما: هل رجم رسولُ اللّه قبل نزول آية الجلد أم بعدها؟ أمّا السؤال الثاني فيقول: على ضوء أنّ دليل الرجم هو من السنّة، هل من المُمكن أن يكون حد الرجم سنّة مؤكدّة كما أنّ صلاة التراويح هي أيضاً سنّة مؤكدّة بمنطق أنّ كلاهما دليله سنّة فعليّة؟ هذه أسئلة وجب على أهل الذكر الإجابة عليها جواباً مُستفيضاً فالردود السطحيّة الّتي هي سمة برامج الإفتاء لاتُرضي المُؤمن فالمؤمن كيّسٌ فطِن.


الفطرة السليمة
من المعلوم أنّ تقدّم الزمن يؤدّي إلى تقدّم المعايير أو تأخّرها وأنّ العادات التي قَبِل بها الناس في الماضي قد يذمّها الناس في الحاضر والعكس قد يكون صحيحا في أمور أخرى. وأوضح مثال على هذا هو مِثال الرّق والعبوديّة. فلقد كانت العبوديّة منذ بزوغ التاريخ وحتى زمنٍ قريب من مُسلّمات الحياة ومن ثوابتها. كما أنّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وأهله وأصحابه وتابعيهم وتابعي تابعيهم -رضي الله عنهم جميعاً- كانوا مُلّاكاً للعبيد. ولم يذمّهم على ذلك القرآن ولا السابقون ولا المُعاصرون من المُحبين والحُسّاد فهم لم يرتكبوا ذنبا بإتخاذهم عبيداً في وقتهم وزمانهم. ولكن إذا رجعنا إلى حاضرنا اليوم فإنّنا سنجد أنّ العبوديّة جريمةُ ينبُذها المُجتمع المُسلم بإنكاره على فاعلها ويُعاقب عليها القانون بآليّاته رغم أنّها سنّة فعليّة وتقريرية من الناحيّة التقنيّة البحتة. وبهذا تكون فطرة المُسلم قد تحوّرت  مع مرور الزمن بإتّجاه المبدأ الإسلامي الكليّ الذي يقول بالمُساواة والحُريّة. ومن هذا المُنطلق فإنّ توبيخك عزيزتي تسنيم للسيّدة التي رفضت حد الرجم بِمحض فطرتها هو في غير محلّه، فكما أنّ فطرتنا كمُجتمع قد تحورّت لترفض العبوديّة فإنّ فطرتها السليمة هي أيضاً قد تحوّرت في إتّجاه إعلاء قيم دينيّة كليّة أسمى من مُفردة حدّ عليه ما عليه من ضبابيّة.


الواقع المُصدِّق
عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) رواه البخاري و مسلم . يحرّم هذا الحديث التصوير بكل صراحة ووضوح ويبين أنه من كبار المعاصي. بقي هذا الرأي هو السائد بين علماء الأمّة حتى جاء زمن التصوير الفوتوغرافي والسينمائي مما إضطر العلماء للعودة لهذه المسألة ومُراجعتها فوجد أكثرهم أنّ الخطر من أن يعود المسلمون إلى عبادة الأصنام والصور قد زال وأن الواقع الجديد قد حوّل التصوير من مُهدد للعقيدة إلى  فرصة لنشر الإسلام وترسيخ العقيدة فكم من صُوَرٍ للنجوم والفضاء والبحار أبكت عيناً مؤمنة. واليوم نجد أنّ الحديث عن التصوير صار من باب الإستدلال على أنّ الإسلام هو دين النمو والتغيير للأفضل وأنّ من بعض سنّة رسولنا الكريم ما هو وقتيّ مُرتبطٌ بظروفٍ آنيّة ينتهي حُكمها بإنتهاء تلك الحِقبة. ولو كان هناك ما ينطبق عليه هذا القياس فلا أولى من حد الرجم أن يُطوى لعدم مُلاءمته لفطرة المُسلم اليوم. ومن المثير للفضول إيضاُ أن يُرجم الزاني الذي كان قد طلّق من كانت في عصمته بينما يُعاتب الزاني البكر بجلد غير مُبرّح فنتيجة كِلا الفِعلتين واحدة وضررهما على المُجتمع مُتطابق.  

من سنّ في الإسلام
الأخت تسنيم: إنّ الإسلام هو دين التغيير للأفضل والتحسين نحو الكمال والكمال لله وحده. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ» [رواه مسلم]. إنّ الإسلام يقوم غلى مبادئ عُليا وقيم شاملة لا تتزحزح ولا تتغيّر بمرور الزمن وأمّا تفاصيل الأقوال والأفعال في الجزئّيات فهي تنمو وتنضج بالتفاعُل مع متغيّرات الزمان والمكان لتُحقق في المُنتهى مقاصد الإسلام ومبادئه الشاملة. لقد أدّى الجمود التي ساد الفِكر الإسلامي في الفترة الأخيرة ألى تعطيل مقاصد الدين وإلى التضحيّة بقيمه السامية في سبيل الإبقاء على أحكامٍ أثبتت محاور الحق الأربعة أنّ مصيرها هو مصير العبوديّة وتحريم التصوير وبرامج الإفتاء المُباشر.     


      
  



     

No comments:

Post a Comment