Tuesday, May 8, 2012

الإنتفاضة السوريّة بعيون سودانيّة

لمّا عزمت على مؤازرة أخواني وأخواتي في سوريا ماديّاً بما تيسّر من موازنتي المتواضعة، لم أجد أفضل من صديقي السوريّ ن.ع. لأستأمِنه على توصيل وصيّتي إلى مستحقيها فأهلُ سوريا أدرى بِشعابها. لم تستطع عيون ن.ع. أن تخفي إحبطاها عندما طلبت أن تُوجَّه مُساهمتي الصغيرة لصالح إمدادات الطعام والشراب والدواء للمواطنين العُزّل فقط دون السلاح والذخيرة لجيش سوريا الحُر. ورُغم بساطة المبلغ إلّا أنّ صديقي إجتهد في العمل على إقناعي لتغيير مبدأي من الجيش الحر. لقد كان صديقي مدركاً تماماً أنّ هذا المال القليل لن يُغيّر موازين القوى في معادلة التوازن الإستراتيجي للنِزاع إلّا أنّ فكرة الجيش الحر كانت أعز عنده مِن أن يتغاضى هوعن تهميشي لها. فما كان منه إلّا أن إستثمر كُلّ وسائل الحُجّة والمنطق ليكسب بها عقلي وأردفها بأجمل صُورِ القِيم الإنسانية ومكارم الأخلاق ليَأسر بها قلبي.


وما لم يعلمه صديقي هو أنّ عقلي شَاركه رأيه جُملةً وتَفصيلاً. فالمُتابع الصّادق للأحداث يُدرِك أنّه لابد مِن كيان يَحُول بين جيش بشار وبين المدنيين العُزّل الذين إرتكبوا ذنب المُطالبة بكرامة الإنسان ونصيبهم من الحريّة التي كفلها الله لهم. ولقد رأيت ورأى كل ذو عَينٍ مُحايدة سَيَلان دِماء الأبرياء من الشِيب والشباب والأطفال على أرصفة وطرقات اللّاذقية وحمص وحما والحسّاكة ودرعا وحلب ودير الزور ودمشق وطرطوس والقنيطرة وإدلب والسوادة والرقة. كما رأيت ورأى العالم بأسره كيف حطّم بشار وشبيحته كل الأرقام القياسيّة في مجال القتل والقمع والإرهاب حتى صار بن علي أمام بشّار حَمَلاً وديعا نظيف اليد برئ الذمّة. وطالما توهمنا أن يكون بشّار أسداً على أعداء الأُمة المُعلنين والمُضمرين، ولكن تبيّن لنا أنّ أنيابه لم يُرَد لها إلّا أن تنهش من لحم رعيّته الذين إئتمنه الله عليهم. كما أنّه لم يكتفي بسلب الأموال وتكبيل الحريّات فحسب، بل إنطلق وراء قطف الرقاب وحصد الأرواح.


كان هذا من أمر عقلي. أمّا حال قلبي فوَصْفه أشدّ تعقيداً وأصعب تحليلاً. إنّ فكرة العِصيان المُسلّح لدى السودانّي لها طعم مرّ على اللّسان ووطأ ثقيل على الصدر. لقد عاش السودان قصة العصيان المُسلّح وانكوى بِنَاره سُنون طويلة. إذ بدأ تَمرُّد الجنوب والسودان لم يفق بعد من نشوة الإستقلال، ثم بقِي هذا التمرُّد مَرضاً مُزمناً إنتهى ببتر الجنوب عن الشمال بعد أن إستعصت كل الحلول. وللأسف الشديد فإن تمرُّد الجنوب ورّث ثقافة إستخدام العنف لكسب النّقاش فصارت البندقيّة لغة الحوار كلّما إختلفت الآراء. ولأجل هذا ولأجل سوء سياسات حكومات الخرطوم، إستشرى التمرُّد في شرق السودان وفي غربه ومؤخّراً في جنوبه الجديد. والمحزن أنّ كلّ عصيان مسلّح يندلع لردّ حقّ مشروع تتبعه قوانين الطوارئ المُكبّلة للرأي وموازنات التقشّف التي تأخذ اللّقمة من فم الجائع لتُحيلَها رَصاصَة في فُوّهة البندقيّة فتضيعُ الحقوق وتتردّى ظروف العيش وتُزهق الأرواح في آن واحد.


الحقّ يُقال أنّني لست مُؤهّلاً لتحليل الوضع السوري بأبعاده الإجتماعيّة والسياسيّة وموازناته العرقيّة والعقديّة حتى أتمكن من إسقاط مثاله على مثال السودان لإبراز نقاط الإلتقاء والإختلاف بين الصورتين. بل إنّ أغلب الظنّ أنّ توجّسي من جيش سوريا الحُر لا علاقة له بواقع الأشياء ولا بمعطيات الأحداث، وإنّما هو حالة فوبيا حادّة زرعتها ظروف بلدي فتجذّرت وتأصلت في وجدان عقلي الباطِن. وعلى كل حال فإنّه يبدو أنّ جيش سوريا الحُر قد إستطاع كسب عقول وقلوب الملايين ممّن جادوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل إعلاء مبادِئه، فلهم التحيّة. وفي هذه الأثناء تبقى الحرب الضّرُوس بين منطق عقلي وبين فوبيا قلبي مُشتعلة حتى يقضي أحدهما على الآخر. 


                   

      

No comments:

Post a Comment