Friday, May 25, 2012

كيف رشّح كل السودانيون البشير

زبدة الكلام: صرّح جيمي كارتر وجيوش المراقبين الدوليّين بأنّ فوز عُمر البشير بإنتخابات 2010 كان مقبولاً من الناحيّة الفنيّة والقانونيّة. ولو وضعنا الإنكار غير المُمَنهَج جانباً ونظرنا إلى هذا الحدث بتجرّد، فإننا سنستطيع حصر أسباب إحتكار البشير وحزبه لمقاعد التنافس ومن ثَمّ تصميم عناصر تغيير النتيجة في 2015.


من نحن؟
لقد تشدّق المُحللون كثيراً في مدح فاعليّة حملة المؤتمر الوطني الإنتخابيّة كما أسهبوا في قدح فشل آليات المُعارضة. لن تفيدنا دراسة حملة المؤتمر الوطني فلا نملك مثل أمواله وإمكاناته وبالتالي فإن تجربته لن تنطبق على حلولنا. أمّا المُعارضة التقليدية فأسباب فشلها بديهي لا يحتاج لكثير كلام. وأمّا ما بقي من هذه المُعادلة فهو ما سمّاه البعض "بالبديل" وهو يمثلّ كل من غرّد خارج سربي المؤتمر والمُعارضة. كان هؤلاء مرشّحون مُستقلون وناشطون حقوقيّون وصحفيون ومدوّنون وطنيّون. لقد إرتكبت هذه الشريحة الأخيرة (التي هي نحن) عددا من الأخطاء ساهمت به هي أيضاً في تتويج البشير وأتباعه. إنّ من أهم مواصفات البديل في نظري مقدرته على تقبّل النقد البنّاء والتّعلم منه.  


قِرِفنا التي فَرّقتنا
كان الهدف من تأسيس حركة قرفنا إسقاط المؤتمر الوطني في إنتخابات 2010 وذلك عن طريق كشف عورات المؤتمر أمام عيون الناخبين وحثّهم على التصويت لصالح أيّاً كان ما دام لا ينتمي للحزب الحاكم.  لقد أثبتت البحوث العلميّة في مجال علوم النفس والمُجتمع أنّ العقل البشري عندما يُجابَه بإختيارات كثيرة مبهمة فإنّه يعجز عن التحرّك ويعود تلقائيّاً إلى الوضع الراهن (Default State). لقد لخّص مقطع فيديو* أُلتِقط أيّام الحملة الإنتخابيّة فلسفة قرفنا ورد فعل العامّة بما يُطابق مُلاحظات خُبراء العلوم الإنسانيّة. أظهر الفيديو شابّا من حركة قرفنا يتوسط حلقة من مرتادي السوق يحثّهم على التصويت لأيٍّ من المُرشحين الأحدعشرة بإستثناء البشير. ردّ عليه الناس بالهُتاف: سير سير يا البشير! كان هذا مشهداً مُحزناً بالنسبة لي ولكنه حَمل في طيّاته روح درسنا الأول: لا تعطي الناس أسئلة عندما يُريدون منك الإجابات. كان الأحرى بقرفنا أن تختار مُرشّحاً تتوافق رؤاه مع رؤاها ومن ثمّ تكرّس إمكاناتها من متطوّعين وإعلام بديل لجمع مُريدي التغيير تحت راية واحدة بدلاّ من أن تزيد حيرتهم و من ثمّ تُشتتهم على عشر فصائل فيخفت صوتهم إلى صمتٍ عاجز.           


الإنتاخابات مدرسة البديل
من المُتفّق عليه أن "البديل" هو خُلاصة تنشئة وإحتكاك وتراكم خبرات. فبرُغم قناعتي بتوافر الخامات التي تصلح لسد الفراغ وقيادة الوطن في الإتجّاه الصحيح، إلّا أنّ هذه الخامات لم تدخل معمعة الصقل والتأهيل السياسي التي مدرستها العمل العام والتنظيم السياسي والتنافس على عقول وقلوب المواطنين. بدى هذا جليّاً في إكتساح إخوان مصر لإنتخابات المجالس حيث ظهر نضجهم التنظيمي الذي إكتسبوه من مُناوشاتهم مع الحزب الحاكم في إنتاخابات 2008 ولو أنّهم مُنحوا الفُرصة التي مُنحت لأحزاب السودان في 2010 لكانوا إجتثّوا حُسني مُبارك منذ زمن بعيد. كانت إنتاخابات 2010 فُرصة لولادة قادة جُدد يكتسبون من تلك السانحة خبرات قياديّة تنظيميّة ويتعلّمون أساليب جذب الناخب السوداني ويبنون شبكات تواصل وموارد ماديّة وتطوّعيّة. إلّا أن السلبيّة التي تعاملت بها مجموعة "نحن" مع الحدث أدّت إلى ضياع الفُرصة وضياع السودان معها.             


لِنُجبرهم على التزوير
لم أتفاجأ عندما أعلن المُراقبون الدوليّون تباعاً أن إنتخابات 2010 لم تشهد تزويراً بالحجم الذي يستدعي إلغاء نتائجئها، فالشكّ الذي ساد أوساط الكثيرين أقعدهم في بيوتهم فحرموا مُنافسي الحزب الحاكم من أصوات كانوا بحوجة إليها. ولو أضفنا إلى ذلك ضعف المُعارضة التقليديّة وتشتّت أصوات الناخبين بين العدد الكبير من المُرشّحين (أذكر أنّه كان هناك مُرشّحين اثنين من بيت المهدي وحده! )، فإننا سنجد أن المؤتمر الوطني لم يكن بحوجة للتزوير حينها! أكسبت قانونيّة الإنتخابات الحزب الحاكم شرعيّة أدّت إلى كبح جماح الثورة، فالمنطق يقول أنّ حكومة جاءت بإنتخابات حرّة لا يجوز أن تسقط إلّا بإنتخابات حرّة. ولو أنّنا أجبرناهم على التزوير فإنّ الحجّة لصالح الثورة ستُفحم المنادين بالقعود وبالتالي نضرب عصفورين بحجر: نبني "البديل" عن طريق مدرسة السياسة، وبعد أن يُضطرّوا للتزوير نسحب بِساط الشرعيّة من تحت أقدامهم فيخرج الناس للشارع.     


لنبدأ منذ البارحة
رغم "مقلب جيمي كارتر" فإنّ المُشككين مازالوا يُشككون والمُحبِطين مازالوا يُحبِطون وكأنّ 2010 لم تكن. وكان الأحرى أن توضع العاطفة جانباً ويُبدأ العمل الإيجابي من أجل خلق البديل وإعداده لتجربة 2015 فالإعداد الجيد لن يؤدي إلاّ إلى خير في كل الأحوال. وأَمّا الجلوس وإنتظار خروج الناس للشارع بدون مُقدّمات فهذا كمن يترك الوظيفة رجاء أن يفوز بمسابقة "من سيربح المليون"! إنّ هذا المشروع الضخم بحاجة إلى وقتٍ وجهْدٍ جبّارين وإنّ من الخطأ أن نظن أن هناك مُتّسع من الوقت حتى 2015، فلنبدأ بناء واقع السودان الجديد منذ اليوم، بل فلنبدأ منذ الأمس.


*ملحوظة: عملت جاهداً على إيجاد الفيديو السابق ذكره في أرشيفات النت ولكن لم أوفّق. أرجوا المعذرة.  

Saturday, May 12, 2012

المُسلِم الأمريكي بين زواج الشواذ والرأسمالية البحتة

عاد الجدل حول موضوع زواج الِمثليِّين إلى واجهة الأحداث في ساحة السياسة الأمريكيّة بعد إعلان الرئيس باراك أوباما تأييده لزواج الشواذ من نفس الجنس. وبهذا يكون الضباب قد إنقشع عن إستراتيجيّة حملة أوباما الإنتخابيّة لرئاسيات 2012. تقوم فلسفة حملة أوباما على أربع محاور. أولاً: كسب أصوات النِساء عن طريق إتّهام رومني وحزبه الجمهوري بشن حرب على المرأة وحقوقها في منع الحمل والإجهاض. ثانيا: كَسب وِد الطبقة الفقيرة والمتوسطة عن طريق تأييد زيادة الضرائب المفروضة على ميسوري الحال من أهل الطبقة فوق المتوسطة والعُليا. ثالثاً: إستقطاب الشباب بواسطة تخفيض نِسب الفائدة على الديون الدراسية التي يقترضها الطلبة لدفع رسوم التعليم واللتي وصل حجمها الكلي إلى أكثر من ألف مليار دولار. رابعاً وأخيراً: تحفيز اليسار الليبرالي وناشطي حقوق الشواذ جنسياً عن طريق دعم زواج الشواذ.


الخُطوط العريضة بين الحزبين
تتوافق جميع هذه المحوار التي ذكرناها مع الفِكر العام للحزب الديمقراطي الذي ترتكز مبادئه على إعلاء الحُريّات الشخصيّة للمُواطن وترسيخ دور المؤسّسات الحُكوميّة في دعم شرائح المُجتمع الضعيفة وتنظيم السوق وحماية المُستهلك وخصوصاً فيما يتعلّق بمجالات التعليم والرعاية الصحيّة. أمّا الحزب الجمهوري فهو يمثل النقيض لهذه المواقف فيؤمن مريدوه بقدسيّة الزواج والأسرة وأوليتهما فوق ميول الهوى. كما يؤمن الجُمهوريّون أيضاً بالسوق الحُر والرأسماليّة المُجردّة، فبحسب رأيهم أن تنظيم المؤسسات الحكوميّة للسوق يقيّد نموّه وإنتعاشه مما يؤدي إلى الركود وإرتفاع مُعدّلات البطالة. وبينما يُفضّل الديمقراطيون فرض الضرائب على الأغنياء وصرفها على برامج الرِعاية الإجتماعيّة للفقراء، يرى الجمهوريّون أن ذلك من شأنه كبح مقدرة الأغنياء على إستخدام تلك الأموال في الإستثمار والإنتاج وخلق وظائف جديدة. كما يرون أنّ هذه السياسة تُمثّل أداة لمُعاقبة الإثرياء على نجاحاتهم ومُكافأة ذوي الدخل المحدود على فشلهم وبالتالي تشجيعهم على التخاذُل والكسل.


إزدواجيّة الشخصيّة الجمهوريّة
وهنا سوف أتجرّد من لباس الموضوعيّة وأدلي برأي شخصي. لو تمعنّا في كيان الحزب الجمهوري، فإننا سنجد (في رأيي الخاص) تناقضين مُزعِجين في هويّتيه الفكريّة والهيكليّة. أمّا التناقض الفكري فينبع من تبنيه خطّاً دينيّا مُحافظاً يتخّذ من تعاليم عيسى عليه السلام منهاجاً للحياة العامة والمُستترة، ولكنه في ذات الوقت يُبشّر ويُكرّس للرأسماليّة البحتة التي تقوم على أن البقاء للأقوى وأنّ الضعيف مسؤول كل المسؤوليّة عن فقره وجهله. وللتوفيق بين هذين المبدأين المُتناقضين فإن بعض رجالات الدين المسيحي قد ذهبوا إلى نشر فكرة أن المسيح عليه السلام كان رأسماليّاً وأنّ مِقدار رِضَا الله عن الإنسان يُمكن قياسه بحجم ثروة الإنسان المّاديّة ومكانته  في سُلّم طبقات المُجتمع. أمّا التناقض الهيكلي فيبدوا جليّا من واقع أنّ أغلب قيادات الحزب الجمهوريّ ومُموّلوه هم من الرأسماليين ذوي المصالح الشخصيّة من شاكلة تحرير السوق ورفع القيود عن الشركات وخفض الضرائب على أرباح مُعاملات الأسهم والأوراق الماليّة. وفي المُقابل فإنّ أغلب أتباع الحزب هم من ذوي الدخل المنخفض والتعليم البسيط. لماذا يتبع هؤلاء من يعملون ضد مصلحتهم؟ هذا سؤال إجابته تطول على هذه التدوينة.


المُسلم الأمريكي من توزيع الكعكة السياسية
بما أن النظام السياسي الأمريكي قائم فعليّاً على حزبيين فقط، فإنّ أمام المُسلم خيارين لا ثالث لهما إن إراد إحداث أثر حقيقي في مُجريات اللُعبة السياسيّة. وبِما أنّ الإسلام يدعوا إلى الواقعيّة وإختيار الحلول التي تؤدّي إلى أقل الخسائر، فإنّ على المُسلم أن يُراجع أوليّاته ويُعيد ترتيبها كُلّ فترة إنتخابيّة بما يتماشى مع واقع الأحداث للوُصول إلى أخف الضررين. لم يكُن لديّ شكّ كمُسلم أمريكي طوال السَنوات الثلاث الماضيّة  - حتى ما قبل الأسبوع الفائت - حول هويّة مُرشحي لرئاسة الفترة القادمة، فأوباما وَعَد بسياسة خارجيّة مُتوازنة في الشرق الأوسط وبرامج إجتماعيّة واقتصاديّة عادلة في الداخِل. لكنّ تصريحه الأخير حول زواج الشواذ تعدّى خطّاً أحمراً كنت أرجو أن لا يطأه. ولكن بالمُقابل الآخر فلقد علّمتني الحيّاة أنّ الخطوط الحمراء في النظام الديمقراطي هي حدود وهميّة يُعيد رسمها أغلبيّة الشعب كُلّ أربعة سنين!
              


                   

Tuesday, May 8, 2012

الإنتفاضة السوريّة بعيون سودانيّة

لمّا عزمت على مؤازرة أخواني وأخواتي في سوريا ماديّاً بما تيسّر من موازنتي المتواضعة، لم أجد أفضل من صديقي السوريّ ن.ع. لأستأمِنه على توصيل وصيّتي إلى مستحقيها فأهلُ سوريا أدرى بِشعابها. لم تستطع عيون ن.ع. أن تخفي إحبطاها عندما طلبت أن تُوجَّه مُساهمتي الصغيرة لصالح إمدادات الطعام والشراب والدواء للمواطنين العُزّل فقط دون السلاح والذخيرة لجيش سوريا الحُر. ورُغم بساطة المبلغ إلّا أنّ صديقي إجتهد في العمل على إقناعي لتغيير مبدأي من الجيش الحر. لقد كان صديقي مدركاً تماماً أنّ هذا المال القليل لن يُغيّر موازين القوى في معادلة التوازن الإستراتيجي للنِزاع إلّا أنّ فكرة الجيش الحر كانت أعز عنده مِن أن يتغاضى هوعن تهميشي لها. فما كان منه إلّا أن إستثمر كُلّ وسائل الحُجّة والمنطق ليكسب بها عقلي وأردفها بأجمل صُورِ القِيم الإنسانية ومكارم الأخلاق ليَأسر بها قلبي.


وما لم يعلمه صديقي هو أنّ عقلي شَاركه رأيه جُملةً وتَفصيلاً. فالمُتابع الصّادق للأحداث يُدرِك أنّه لابد مِن كيان يَحُول بين جيش بشار وبين المدنيين العُزّل الذين إرتكبوا ذنب المُطالبة بكرامة الإنسان ونصيبهم من الحريّة التي كفلها الله لهم. ولقد رأيت ورأى كل ذو عَينٍ مُحايدة سَيَلان دِماء الأبرياء من الشِيب والشباب والأطفال على أرصفة وطرقات اللّاذقية وحمص وحما والحسّاكة ودرعا وحلب ودير الزور ودمشق وطرطوس والقنيطرة وإدلب والسوادة والرقة. كما رأيت ورأى العالم بأسره كيف حطّم بشار وشبيحته كل الأرقام القياسيّة في مجال القتل والقمع والإرهاب حتى صار بن علي أمام بشّار حَمَلاً وديعا نظيف اليد برئ الذمّة. وطالما توهمنا أن يكون بشّار أسداً على أعداء الأُمة المُعلنين والمُضمرين، ولكن تبيّن لنا أنّ أنيابه لم يُرَد لها إلّا أن تنهش من لحم رعيّته الذين إئتمنه الله عليهم. كما أنّه لم يكتفي بسلب الأموال وتكبيل الحريّات فحسب، بل إنطلق وراء قطف الرقاب وحصد الأرواح.


كان هذا من أمر عقلي. أمّا حال قلبي فوَصْفه أشدّ تعقيداً وأصعب تحليلاً. إنّ فكرة العِصيان المُسلّح لدى السودانّي لها طعم مرّ على اللّسان ووطأ ثقيل على الصدر. لقد عاش السودان قصة العصيان المُسلّح وانكوى بِنَاره سُنون طويلة. إذ بدأ تَمرُّد الجنوب والسودان لم يفق بعد من نشوة الإستقلال، ثم بقِي هذا التمرُّد مَرضاً مُزمناً إنتهى ببتر الجنوب عن الشمال بعد أن إستعصت كل الحلول. وللأسف الشديد فإن تمرُّد الجنوب ورّث ثقافة إستخدام العنف لكسب النّقاش فصارت البندقيّة لغة الحوار كلّما إختلفت الآراء. ولأجل هذا ولأجل سوء سياسات حكومات الخرطوم، إستشرى التمرُّد في شرق السودان وفي غربه ومؤخّراً في جنوبه الجديد. والمحزن أنّ كلّ عصيان مسلّح يندلع لردّ حقّ مشروع تتبعه قوانين الطوارئ المُكبّلة للرأي وموازنات التقشّف التي تأخذ اللّقمة من فم الجائع لتُحيلَها رَصاصَة في فُوّهة البندقيّة فتضيعُ الحقوق وتتردّى ظروف العيش وتُزهق الأرواح في آن واحد.


الحقّ يُقال أنّني لست مُؤهّلاً لتحليل الوضع السوري بأبعاده الإجتماعيّة والسياسيّة وموازناته العرقيّة والعقديّة حتى أتمكن من إسقاط مثاله على مثال السودان لإبراز نقاط الإلتقاء والإختلاف بين الصورتين. بل إنّ أغلب الظنّ أنّ توجّسي من جيش سوريا الحُر لا علاقة له بواقع الأشياء ولا بمعطيات الأحداث، وإنّما هو حالة فوبيا حادّة زرعتها ظروف بلدي فتجذّرت وتأصلت في وجدان عقلي الباطِن. وعلى كل حال فإنّه يبدو أنّ جيش سوريا الحُر قد إستطاع كسب عقول وقلوب الملايين ممّن جادوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل إعلاء مبادِئه، فلهم التحيّة. وفي هذه الأثناء تبقى الحرب الضّرُوس بين منطق عقلي وبين فوبيا قلبي مُشتعلة حتى يقضي أحدهما على الآخر.