Sunday, April 29, 2012

السودان الجديد وأسئلته الصعبة



لن تُعبّر الكلمات عن مدى سعادتي هذه الأيّام بالحِراك الذهني الذي يجوب أركان النقاش على تويتر وفيسبوك ومثيلتيهما من مواقع التواصل الإجتماعي. حيثُ يتفرّع النقاش ويتشعّب إلى محاولات فهم أسباب تأخُّر الوطن و بحث وسائل تقدُّمِه، وإلى تشخيص أمراض المُجتمع وتصميم علاجاتها، وإلى حصر سلبيات العُنف المُسلّح و تشكيل فكر العمل المدنّي لخَلق جيلٍ "بديل"، وإلى كيفيّة العزل بين حُب الوطن وبُغض الحُكومات. ووسط هذه الحوارات البنّاءة، تُطلّ بعض الأسئلة برأسِها مُستعصيةً على الإجابة لكونها تحمل مُكوّنات مُعضلة البيضة والدجاجة. وإنّ أبلغ ما يمكن أن أصِف به عقلي أمام هذه الأسئلة هو بيت شعرٍ لأحد حُكماء ميكانيكا السيارات قال فيه: راسي كَرَنْك مُعضِّي لا بفِكّه صعود لا شاي!


قصور حكومي أم خِصلة إجتماعيّة؟
والقصور هنا يُقصد به كل ما من شأنه تعطيل نمو الوطن وتقدمّه، ويشمل هذا المُصطلح التقصير في التخطيط الإستراتيجي و التخطيط الفنّي والتصميم والتنفيذ والتشغيل والصِيانة. ولو توقفنا عند هذا التفصيل فإن العقل الصريح سوف يجد أن مُكوّنات القصور الحُكومي هذه هي سِمَة أصيلة وثقافة شائعة في أغلب عناصر المُجتمع السُودانّي. أقول هذا حبّاً وإشفاقاً لا قدحاً وإصغاراً لأهلي ودمي، وكما أنّ فينا مِن جميل الخِصال ما يجلب الفخر والإعتزاز، فإن نقد الذات والتأمُّل في عيوبها من أجل التصحيح لا يعود عليها إلّا بالتوفيق والسداد. لكن بالمُقابل -كما يقول فيصل القاسم- أليس في لُبّ واجبات القادة وأصحاب الأمر العَملُ على بثِّ ثقافةِ الكمالِ المِهنيّ في مؤسساتهم ليصير الأداء الحُكومي معياراُ للجودة والإتقان ومِثالاً تَحتذي به كل عناصر المُجتمع؟ ولكن بالمُقابل الآخر: أليس هؤلاء القادة وأصحاب الأمر هم بالأساس أبناءُ المُجتمع وإنتاجُ ثقافته؟ وسؤال البيضة والدجاجة هنا يكون: أيهما يأتي أوّلاً..الحُكومة الراشدة أم المُجتع الراشِد؟!


الفساد المالي ثقافة أم حوجة؟
لقد كان الإقتصادُ السوداني منذ ما بعد الإستقلال وحتّى قبل ثورة الإنقاذ إقتصاداً بدائيا يأكل فيه الناس مما يزرعون في حوّاشاتهم ويحلِبون مما يرعون في زرائبهم ويشربون مما يغرفون من نيلهم. ولم يكن المال أساسا للحياة الكريمة فالدقيق والزيت والسكّر كانوا يوزّعون في مغالق الحكومة، كما لم تكن هناك فاتورة كهرباء أو ماء أو هاتف لإنعدام هذه الخدمات عند أغلب أهل السودان. ثمّ جاءت بعد ذلك ثورة الإنقاذ فجلبت معها سياسات البنك الدوليّ التحريريّة الرأسماليّة فؤغرِقت الأسواق بمتاع الحياة الدُنيا من كل لونٍ وصنف، وخُصخِصت المدارس والجامعات والمُستشفيات ورُفع الدعم عن المأكولات والمحروقات وشُيّدت نقاط تحصيل الدِمغ والجِبايات. وأمّا الدُخول والمُرتّبات فقد تخلّفت عن مُواكبة إرتفاع إلتزامات العيش الكريم ممّا خلق إشكالاً أخلاقيّاً للكثيرين. إنّ الجانب المُتفائل منِّي يقول بأنّ الفساد المالي هو حوجة فرضتها رغبةُ موّظفٍ بسيط في دفع رسوم تسجيل أبنائه في مدرسة يتعلّمون فيها الحد الأدنى مما يحتاجونه للخروج من دوّامة الفقر والجهل. وهذه الحوجة يُمكن سدّها عن طريق تحسين ظروف المعيشة ومُوازنة الأجور مع إحتياجات الحد الأدنى للعيش الكريم. وأمّا الجانب المُتشائم فيقول أن بيضة الحوجة قد فرخّت ثعباناُ فتحوّل الفساد من سدّ هوّة إلى ثقافة مُجتمع. وسؤال البيضة والدجاجة هنا: لو كان الفساد حوجة تحوّلت إلى ثقافة، ولو كانت هذه الثقافة هي المُعطّل الأساسي لنمو الإقتصاد، فكيف لنا أن نُنمّي الإقتصاد حتى نستطيع تلبية حاجات المُجتمع لكي لا تتحوّل الحوجة إلى ثقافة فساد مُستدامة؟!


مُستوى التوقّعات وواقع الأشياء
عندما وصلت خِدمة الكهرباء إلى أرياف سنجة في منتصف وأواخر التسعينيّات، شاعت طُرفة وقتها تقول بأن الضيف إذا حلّ على منازل أحد القُرى خيّره مُضيِّفوه قائلين: نجيب ليك موية ولّا نولّع ليك النور؟ إن واقع الأشياء اليوم أنّ أغلب أهل السودان هم حديثوا عهدٍ بخدماتٍ يعدّونها من الرفاهيّات بينما هي حقوقٌ أساسيّة في بقاعٍ أخرى منذ زمنٍ بعيد. كما أنّه ما زال هناك إعتقادٌ سائد بأستحالة إنجاز ما هو بديهي في غير السودان كالطُرُق المُعبّدة الآمنة والكهرباء المُستدامة والماء الصالح للشُرب والمدارس المؤثثة والمِصحّات المُجهّزة والخدمة المدنيّة الجيّدة والإقتصاد المُعافى ومؤسّسية القرار وخُلو الحدود من التمرّد المُسلّح. بل إن البعض ليؤمن بأن هذه الأهداف لن تقل عن أن تكون مُعجزات ربّانيّة لن يدركها بشر وبالتالي يُبقون على مستويّات توقعاتهم منخفضة فيترائ لهم أداء حُكوماتهم كأنه على أحسن ما يُمكن أن يكون. وسؤال البيضة والدجاجة هنا يكون: لو كان مُستوى التوقعات مُنخفضاً هكذا، فمن أين يأتي الحافز للنهوض والإنبعاث. ولو ترسّخ الركود وعُطّل النمو بسبب إنخفاض التوقعات، فمن أين يأتي الإلهام والتطلّع ليرتفع معه سقف التّوقعات؟!


أمّا السؤال الأهم: كيف أحل مُشكلة كَرَنك رأسي المُعضِّي بدون عَمْرة كاملة للماكينة؟!


عثمان بكري                         

1 comment:

  1. Good article and the only one that discusses the real issues on the ground in a way that relates to the average person. I also like your calm tone and sincerity coupled with the fact you weren't interested in the "struggle of ideologies" but confined yourself to the performance of the economy which affects everyone regardless of gender, colour, religion or ideology. In fact, you are the first one I have seen points to these economic policies in some relative details (as the space allows, would love to hear more of it though). My kind of politics really, always judge the policy not the individuals because this way the evidence is clear i.e published policies and actual performance of economy and the state of affairs of essential services. You also stayed away from cheap demagoguery which I really abhor any where in the world. I enjoyed reading your article and a lot of points to discuss which I hope to come later to explore.

    ReplyDelete