Sunday, April 15, 2012

مُرجيحة الوطنيّة والثوريّة: كوز..ما كوز

عندما عبّرت على تويتر عن موقفي الرافض لإعتداء حكومة جنوب السودان على هجليج، جاءتني تغريدات مُشفِقة تُحذّرني من مغبّة الوطنيّة العمياء وخطر الإنجراف وراء مواقف الحُكومة وحزبها. والحق يُقال أن هذه الرُدود أصابتني في مقتل فتَبعثَرت أفكاري وتَمرجَحَت قناعاتي. عِندها ذهبت إلى شاطئ البحر وجلست على رماله البرونزيّة حاملاً بيدي زهرةً أخذت أقْطِف أوراقها ورقةً ورقة وأنا أُردد مع كل ورقة: أنا كوز..أنا ما كوز..كوز..ما كوز..


الوطنيّة: عصاة الساسة السحريّة
ولو تركنا الأفلام العربي جانباً وعدنا إلى الواقع لوجدنا أن الحكومات والأحزاب لطالما مارست ربط الوطنيّة بالسياسة من باب ذر الرماد في العيون ودس السُم في الزلابيا. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتّحدة، قدّم الرئيس الأمريكي حينها, جورج بوش الإبن، مشروع قانون لمُكافحة الإرهاب يحوي في طيّاته وسائل وآليات تُعطي المُؤسّسات الأمنيّة الأمريكيّة كسي آي أيه وإف بي آي وإن إس إيه صلاحيّات غير مسبوقة تتجاوز الخطوط الحمراء التي حددّها الدستور الأمريكي لحماية الخصوصيات والحريّات والحقوق الشخصيّة للمواطن. ولِكي يُمهّد بوش الطريق لتمرير القانون عبر الكونغرس، قام بتسمية القانون "القانون الوطني Patriot Act". صوّت لصالح القانون وقتها كِلا الحِزبين و تمّت إجازته بأغلبيّة ساحقة!


نحنا إنضربنا على قفانا
لو أردنا تعريف تعبير الوطنيّة العمياء بمثالٍ حي فإننا لن نضطر أن نذهب إلى أبعد من إستاد المريخ في أمدرمان الذي شهد مباراةً حامية الوطيس بين مُنتخبي مصر والجزائر كانت نتيجتها فوز الإنحطاط على الأريحيّة بحصيلة عشرة أهداف لصفر. يومها جسّد المصريون والجزائريون كل ما يوحي به مُصطلح الوطنيّة العمياء وما تحمله عبارة غريزة القطيع من معاني - عمّمت هنا لأن البلاء يعُم! إن إشعال حربٍ إعلاميّة وشعبيّة ورسميّة من أجل منشطٍ رياضي وبإسم الوطنيّة هو أقل ما يمكن أن يوصف به أنه تهريج. وإذا وضعنا هذا السلوك المُشين جنباً إلى جنب مع مواقف المواطن السوداني المُستنكرة لتصعيد الحركة الشعبيّة الأخير فإن المنطق سيجزم بأن هذان فعلان لا يصح جمعهما في تصنيف واحد ووصفهما بعبارة واحدة.


كلاشنكوف غاندي ودبّابة لوثر كينغ  
وكما أن الوطنية العمياء مُهلكة فإن الثورة العمياء هي أيضاٌ قاتلة. إن تقديم الغاية على الوسيلة كمثل ما تقوم به حركات التمردّ المُسلّحة فيه من السلبيات ما يُهمّش الفوائد المرجوة منه. فلو كان الهدف من التمرّد إسقاط النظام فإن الخِبرة علّمتنا أن كل تمرّد يقع على الحدود يُكسب النِظام تعاطفاً وتأييداً أكبر لدى بُسطاء الناس الذين يقاتل من أجلهم التمرّد! ولو كان الهدف ردّ حق أو فكّ أسْر فإن قوانين الطوارئ التي تستلزمها الحرب تَسلِب حقوقاً أكبر وتأسِر أضعاف ما كان في الحبس في المُقام الأول. ولو كان الهدف نشر وعيٍّ أو تحرير فكرٍ فإن التمرّد سيُوَعِّي الجيل الجديد إلى أن الحق لا يُأخذ إلى بسفك الدم وأنّ الغاية تسمو فوق الوسيلة كما أنه سيمنح المجال للنظام لقمع النُشطاء المدنيين الذين يسعون لتحرير فكر المواطن ورفعه فوق إنحطاط الوطنيّة العمياء. ولهذا فإن الوطنيّة المسؤولة ترفض التمرّد المُسلّح أينما كان و مهما كانت مطالبه.


ولو ترَكنَا الواقعيّة جانباً وعُدنا إلى الأفلام العربي، فإننا سنجد أن العاطفة العمياء دائماً ما تؤدّي إلى إنتهاء مناسبات الأعراس المصريّة إلى خناقات بالشُوَم والكراسي!   


ملحوظة: نبعت بعض أفكار ومُفردات هذه التدوينة من تغريدات رجال ونساء أعْتَزُ أن أنتمي إلى بلدهم السودان. قد نتّفِق أحيانا وقد نختلف أحياناً ولكننا دوماً نبيت سمن على عسل. لله درّكم أهل تويتر.


               

1 comment:

  1. بعيدآ عن المغبات الوطنيه والانجرافات السياسية بكل مسمياتها اتفق معك اخي عثمان في ما اشرت اليه وايد كل التوضيحات التي اشرت اليها.... ف الوطنيه والسياسه لايمكن لهما ان يجتمعا فهذا مرفوض )(كالجمع بين الاختين فلكل منهمامعني يفيد نفسه ويخدم غرض ينافي الاخر وعن نفسي انا اخذت نفس الورده التي اخذتها ورجحت كفتي علي كووووووز الا ان ينجلي هذا البلاء وينعم وطنا بالامن والاستقرار..... اخوك راف

    ReplyDelete