Wednesday, April 11, 2012

هجليج..البتبلبل يعوم



كنت متواجداً في القاهرة قبل خمسٍ وعشرون يوماً من إندلاع الثورة المصريّة وقبل ستة شهور من إنفصال جنوب السودان عن شماله. وكان من أطرف المواقف التي عشتها أنّني ركبت سيارة أجرة فبادر سائقها بتسليتي فأسمعني ما تيسّر له من أسطوانة مصر والسودان حِتّة واحدة وأعقب ذلك بما حفظ من أدعية على حسني مبارك على طريقة مسرحيّة الزعيم من شاكلة اللّهم جرجره واللّهم كثّر من بابا غنّوجه! ثمّ عرّج من بعد ذلك إلى السياسة الخارجيّة فسألني عن رأيي في إنفصال جنوب السودان و عن مآلاته. صرّحت له وقتها بقناعتني أن الإنفصال هو أبغض الحلال وأن الطلاق بالإحسان يكون أحياناً الحل الوحيد لعلاج ما إستحال إصلاحه. فقال بصوت حزينٍ متحسِّر: لا حول ولاقوة إلا بالله...طيب العيال ذنبهم إيه يتبهدلوا كده؟! فما كان منّي إلى أن زوّدت له في البقشيش!


لقد منحتني أحداث العدوان الأخير على هجليج فرصة للعودة إلى الوراء وزيارة مواقفي السابقة من موضوع الإنفصال. لقد كنت مؤمناً بأن الواقعيّة تحتم السعي لإيقاف الحرب بأي ثمن، ما دام أن الثمن لايشتمل على إراقة المزيد من الدماء. فالحفاظ على الأرض والموارد قيمتان ساميتان ولكنهما لا تعلوان على قيمة حفظ النفس، فإذا كان لبرميل النفط سِعرٌ يُقايَض به فإن الأمن والطمئنينة لا يقاسان بمعيار ولا يقدّران بثمن. ومن هنا نبع يقيني بأن الإنفصال سيكون أقُل ضررا من بديله. وقد يُعلّق أحدنا هنا بأن بديل الإنفصال هو الوحدة فكيف لي أن أميل إلى الإنفصال دون الوحدة. ولكي يكون الجواب موضوعيّا فإنه لا بد من التعقيب بسؤال عن شكل الوحدة ولونها، ذلك أن وحدة السودان على مرّ وجوده لا تشبه في المبدأ ولا في التطبيق ما أريده في الوحدة. وشتان بين وحدة السودان وبين وحدة الولايات الإمريكيّة أو الإتحاد الأوروبي مثلاً. وكما قالت جدّتي: الوحدة خشم بيوت يا ولدي!


ولعل أوان الجدال قي موضوع الإنفصال قد فات فلقد رُفِعَت أقلام إتّفاق تقرير المصير وجفّت صحفه، ولكن بالمُقابل فإن الأرض لم تجف من دموع ودماء ضحايا الحرب. وبالرُغم من شدّة الحُلكة التي هبطت على بلدي في الإيّام السابقة بعد حدوث ما لم يتوقعه المُراقبون والمُحللّون، فإنني ما زلت أرى بصيص أملٍ في الأفق. إن من المهم جدّاً أن ننظر إلى هذه الأحداث من منظورٍ  شامل يتعدى السياسة والإقتصاد إلى الطبيعة البشريّة. ولو فعلنا ذلك لرأينا حقيقة أن حرب السودان الأهليّة دامت زُهاء خمسين عاماً قُتل في خِضمِّها من قُتِل وشُرِّد من شُرِّد وزُرع في قلوب الناس كُرهٌ وبُغضٌ شديدين ولّدا عداءً وانعدام ثقةٍ مُتأصّلين. ولو راجعنا التاريخ لرأينا أن إثيوبيا وأريتيريا مثلاً خاضتا حرباً ضروساً بعد إنفصالٍ بتراضي من الطرفين إلاّ أنهما عادتا و ثابتا إلى رشديهما بعد أن تحددّت موازين القوى وإتّضحت معالم الأمر الواقع فرُسمت على إثر هذه الموازين والوقائع حدودهما الجغرافيّة. لا بد لنا أن لا نسنى أنه لم ينقضي سوى عشرة أشهر على حدث إنفصال الجنوب وهو حدثٌ عظيم بكل المقاييس وسيكون له تبعات نأمل جميعاً إقتراب خمودها وإندمال جروحها النفسيّة.


لن أتحدث في هذا المِنبر عن أسباب تأزّم ملف الإنفصال فأسبابه واضحةٌ للعيان وأوجز بالقول أن مُبتدأها سوء إدارة ومُنتهاها إنعدام إرادة. ولكن هناك نقطة وجب خطّها رغم أنّها قد تثير حفيظة الكثيرين من كلا جانبيّ الرأي. فبما أننا قد أقررنا مبدأ الأرض والبترول مقابل السلام في 2005 ثم بعد ذلك طَبِّقناه تطبيقاٌ "نُص كُم" في 2011، فلماذا إذاً لا نُكمل المُشوار فنُخيّر كل من أراد الإنفصال في جنوب كُردفان والنيل الأزرق حتى لا يكون لأحدٍ حِجّةً علينا. ولا أرى ضرراً في أن تُستفتى كل ولاية وكل مدينة وكل قريّة على حِده، حتى يعلم كل إنسان موقعه في خريطة الواقع الجديد. وكما قالت جدّتي: البتبلبل يعوم يا ولدي!


ملحوظة: جدّتي ليست مُحللُة سياسيّة وغير مسؤولة عن الآراء التي تُطرح في هذه المُدوّنة.
            

        

5 comments:

  1. عزيزي عثمان : و أنا أول من أثرت حفيظته، نحن ما زلنا ندفع ثمن انفصال الجنوب و تقرير المصير ، و ما أثبتته هذه التجربة - حتى الان - أننا خسرنا الأرض و الموارد و الشعب ولم نربح السلام ، فلا فائدة من أن نكرر نفس الفعل مرة أخرى و نتوقع نتائج مختلفة. الانفصال قد يبدو أسهل الحلول -و أكسلها- لكنك إذا تمعنت فيه فستكتشف أنه ليس حلا على الاطلاق.

    ReplyDelete
  2. انفصال تاني !! ... السودان ملك لجميع تاريخيا و جفرافية و من حق المواطن ان يعيش في اي بقعة ارتضاها و عليه من هو المفوض له بان يخير المواطن بين هذا و ذاك ؟؟؟الحكومات التي تراعي مصالحلها من غير الشعب ام من ؟؟ المشكله ان خيار الشعب في الانفصال كرها ناتج عن الظلم المستمر اذا هو فرض اكثر من خيار .. و استمرار مسلسل الاستفتاء مئاله مثلث حمدي

    ReplyDelete
  3. Amazing article as usual. I have question that's not related to your article but regarding the ongoing conflict in Heglig; how did the Sudanese army lose it? This is something I can't wrap my head around

    ReplyDelete
    Replies
    1. The usual incompetence off course!

      Delete
    2. So do you think the government will be able reclaim it by force alone? if so why have they not done so already? why are they pursuing diplomatic means and issuing "warnings"?

      Delete