Monday, April 9, 2012

بابا بابا..الجنوبي ضربوه


ما أن عادت زوجتي وابنتي سارة من السوق، حتى دخلت عليّ سارة ذات الثلاثِ سنون  وهي تُردِّد: بابا بابا الجنوبي ضربوهو..الجنوبي ضربوه. سألتها بأندهاش: من هو هذا الجنوبي الذي ضُرِب ومن ضربوه ولماذا ضربوه. ردّت بتلهّف: الجنوبي سرق..الجنوبي سرق. ووسط أنهماكي بفك طلاسم هذا اللغز، دَخَلت علينا زوجتي فتحوّل نظري تُجاهها لعلها تُبطل عَجَبي وتُسكِّن شَمار صدري، فحدثتني عن أنّ طفلاً من أطفال الشوارع - أغلب ظنّها أنّه جنوبي - حاول سرقة موبايل أحد مُرتادي السوق، ولكن على ما بدى أن الموبايل كان مالاً حلالاً ففطِن صاحبه إلى مُحاولة سرقته فما كان منه إلّى أن أمسك بالصبيّ من زُمّارته. أدرك مُرتادوا السوق ما حدث فشمّروا سواعِدهم و أقبلوا على الصبيّ ليوسعوه بُنَياً و كِفّيتاً وعضعضة. ولحسن حظ الطفل وصل عسكري الشرطة مكان الحادث قبل فوات الأوان.

بعد أن أكملت زوجتي سرد القصّة، نظرت إلى وجه سارة البرئ بتحسّرٍ وحُزنٍ شديدين ثم قلت لأم سارة: بشرى لك، لقد تعلّمت إبنتنا سارة في خمس دقائق من الشارع نقيض ما كنت أنوي تعليمها أيّاه في عشر سنين. قالت: و كيف كان هذا. قلت: عُدّي معي:

تعلمّت سارة أن هذا الطفل هو جنوبي قبل أن يكون إنساناً وطِفلاً فلم تقل لي الطِفل ضربوه ولكن قالت الجنوبي ضربوه، فشقّ على قلبي أن يتسمّم عقلُها الواعد بداء التمييز والفرز بمبدأ اللون والعرق والجنس. كما تَعَلّمَت سارة أيضاً أن الإنسان قد يسرق وإذا سرق فهو حتماً مجرم، ولكنها لم تتعلّم أن الصبيّ رُبّما سرق ليشتري رغيفَ خبزٍ يُبقي على حياته أو قِطعة قماشٍ بالية تستر عورته بعد أن خذله أهله ومجتمعه وأولياء أمره. كما تعلّمت أن تحكم على الناس من أعلى بُرجٍ عاجيّ وهي لم تذق طعم الفقر - لا أذاقه الله لها، فإنّ من أسوأ أمراض القلب أن يُقبل الإنسان على اللوم والعتاب دون أن يسعى لفهم الأسباب والظروف و من ثم يعمل على تغييرها.  

ثُمّ تعلّمت سارة أن الحق يُستَردّ باليد وليس بالقانون، فيأخذ صاحب الثأر بثأره وقتما وكيفما إستطاع دون إعتبارٍ لمبادئ و قواعدِ الدين. ولعلّ الإنسان منّا تغلِبه مشاعره وإنفعالاته فيبطش ويسفك بخلاف ما شرع الله كما فعل ثُوّار ليبيا بِمُعمّر بعدما أسروه، ولعلهم يستغفرون لله فيغفر لهم، ولكن وجب علينا ذِكرُ أنّ الشديد هو من يملك نفسه عند الغضب. والأحرى أن يسأل الإنسان نفسه: لو كان رسول الله في هذا الموقف، أيبطِش أم يُمسِك؟ قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخِر وذكر الله كثيراً

كما تعلمّت إبنتنا أيضاً أنّ المعروف هو ما تعارفت عليه الناس وليس ما شرعه الله وبيّنه رسوله. فتعارف الجمع في هذا اليوم  والموقف على الغلظة والتَعسُّف بخلاف حديث رسول الله الذي أمر فيه بالرحمة بالصغير قبل توقير الكبير. وفوق هذا كلّه غاب عن وعيها أنّ العُنف يولّد العُنف، وأنّ النهج الذي ينتهجه رجالات الأمن والنظام العام هو منبعه من الشارع والمُجتمع. ولربما صار هذا الصبيّ في يومٍ ما أباً فيقسوا على عياله أو رجل شرطةٍ فيبطِش بمن هم تحت رحمته أو وليّ أمرٍ فيظلم رعيّته.

قالت زوجتي: وفي رأيك كيف نداوي بنتنا من كل هذا. قلت: أعطيها 5 ملل انتيبيوتيك!

                  

4 comments:

  1. كالعادة مقال إبداع..
    أول حاجة ربنا يخلي ليك بنتك وأبنائنا كلهم ويحفظ عقولهم من التسمم المجتمعي وعادات النفاق والعرقية والفساد.
    للأسف نحن ما بنقدر نحمي أولادنا من العنصرية المنتشرة في البلد لأنو أبسط مثال مشوار إلى السوق ممكن يسبب في أضرار نفسية وعقلية كبيرة للطفل.. بلوم مجتمعنا المنحاز.. ذاك المجتمع الذي يحتفل بانقسام وطنه ويفرح بقرارات الحكومة المخزية لطرد أبناء وطنهم..
    كيف نحميهم ونحن ما قادرين نحمي روحنا ولا نعصب عيوننا ولا نقفل إضنينا من الكره والفساد اللذان عملت حكومتنا على مدى 23 عاماً لتعززيهما وترسيخهما في ذهوننا..
    قبل 21 سنة لمن كنت في سن طفلتك نفس المآسي كانت حاصلة ولو أخف وطأة شوية.. ما كنت فاهمة الجنوبي دة عبارة عن منو بالضبط؟ وللأسف كنت فاهمة إنو الجنوبي دة مواطن غير سوداني هاجر بطريقة ما وجاء للسودان.
    ليه العقلية دي منذ الطفولة؟ لأنو مجتمعنا عقليته اتسممت وتفكيره اتبرمج ودة أكبر نجاح فخورة بيهو حكومة المؤتمر اللا وطني. ما علينا نحن غير إنو نثقف الجيل الجديد ونحاول نزيل التفاهات دي من تفكيرهم لأنو جيل ثورة الإنقاذ للأسف الشديد غير قابل للإصلاح.

    ReplyDelete
  2. هو مجتمع غريب بكل معني الكلمة ، لا يتقن النظام ولا يعرف أسسه ، ولا يتورع أي فرد فيه عن خرق القانون ما دام سيفلت عن العقاب ، مجتمع ملئ بالنرجسية والقبلية والطبقية ، في خلطة ندر ان تتكرر ، فقط علينا ان نحاول ان نصلح أخطائنا عن طريق الأجيال القادمة ، لعل وعسي !!

    ReplyDelete
    Replies
    1. Mo, I think that knowing the problem is half the solution. I do believe that people are starting to realize the problems and criticizing the negatives. I see this as a good sign of better days to come.

      Delete