Saturday, March 31, 2012

إعلان وظيفة: مطلوب بديل

زبدة الكلام
"البديل منو؟" سؤال إستعصت إجابته عليّ  وعلى المنادين بالتغيير. لكن ربما إستطعنا الوصول للجواب ضِمنيّاً عن طريق الإجابة على سؤال آخر.


مقدّمه
بعد بزوغ ربيع العرب، عاد إلى حلقات النقاش سؤالٌ كان قد طَرح أيّام الإنتخابات السودانيّة العامّة في عام 2010. فكان كلّما أسهب مُعارضوا الحزب الحاكم في وصف عيوب المؤتمر الوطني وذكر مساوئه وسرد إخفاقاته، جاءهم الرّد بسيط الطرح وبليغ التعبير:"طيّب البديل منو؟". عندها ينتهي اللسان عن الكلام ويبدأ العقل في التدبّر. لقد كُنتُ حريصاً طوال العامين الماضيين على رصد إنتاجات المُفكرين والأدباء والمدونيين بحثاً عن جوابٍ شافي لهذه المُعضلة.

التفاؤل والإنكار
لو أجرينا مسحاً للإجابات التي طُرِحَت فسنجد أن الأغلب الأعم من محاولات الإجابه على سؤالنا يتأرجح بين التفاؤل والإنكار. أمّا المتفائلون فمنطقهم قائم على مقولة: تفاءلوا بالخير تجدوه. ولعل أفضل ما يمثل هذا الإتّجاه هو العبارة العاميّه السائده: "إنتو بس أطلعوا الشارع والبديل حايجي". وأما المنكرون فيرون أنه من المستحيل أن لا يوجد شخص واحد على الأقل يصلح أن يكون بديلاً من بين كل سكان السودان البالغ عددهم 35 مليونا. ويؤسفني أن أقول أن الفكرين السابق واللاحق لم يرضيا فضولي فتركيبة السؤال تقتضي أن يتعدّى جوابه المشاعر والأحاسيس إلى صِفات وأسماء لأشخاص ومؤسسات بعينها.

مُحاولة "ترتار"
إن من أجمل المُحاولات التي رَصَدتُها كانت إجابة على شكل رسوم متحرّكه - فيلم كرتون - من إنتاج مجموعة "ترتار سوداني". خلُص الفيلم إلى أن البديل يكمن في 1.حريّة التعبير 2. قضاء مُستقل 3. إنتخابات نزيهه 4. الشعب. وإنتهى المقطع بالإشارة إلى أن الديمقراطيّة ليست إفراد وإنما هي مؤسّسات. كان إنطباعي عن المقطع أنه مبادرة خلّاقه فنيّاً وأدبيّاً. ولكن عاب هذه المحاولة لبس لغويّ بسيط. لو عدنا إلى سؤالنا وإستبدلنا كلمة "منو" بكلمة "شنو" حتى يصبح السؤال "شنو البديل؟" فستكون إجابة "ترتار" هي الإقرب للصواب. وعلى كل حال فإن جواب هذا السؤال الأخير هو في إعتقادي مُتّفق عليه، فلا خلاف على أنّ العدل والشفافيّة وتداول السُلطة هم بدائل الظلم والفساد والتعسّف. وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال: لو كان منطق "ترتار" هو الجواب الصحيح للسؤال الخاطئ، فهل من المُحتمل أن يكون عجزنا عن الإجابه على السؤال الصحيح مردّه قصورُ عن الإستيعاب الصحيح لكل مكونات السؤال؟

فهم السؤال نصف الإجابة
سوف أستعينُ ببعض نظريّات الرياضيّات البحتة  لصالح ترسيخ مبدأ حل السؤال. قد يصعب في بعض الأحيان حل مسائل التفاضُل والتكامل إذا كانت المُعادلات المُراد حلّها شديدة التعقيد. وفي هذه الحالة، يلجأ الرياضيّون إلى إستخدام ما يُسمّى بالتضمين  والتعويض. تهدف فكرة التضمين والتعويض بالأساس إلى تفكيك المعادلة الأصليّه إلى مُعادلات "ضمنيّه" بسيطه سهلة الحل و من ثم تعويض هذه الحلول الجزئيّة في المعادلة الأم للوصول إلى النتيجة النهائية...أو بالعربي البسيط: فرّق تسُد.

س = س1 + س2
لو أمعنّا التفكّر في سؤالنا "البديل منو؟" لوجدنا أنه للإجابة على هذا السؤال، لا بد أوّلاً من الإجابة على سؤالين تضمّنهما السؤال الأصلي. أوّل السؤالين يقول: ما هي مواصفات البديل؟ وهذا سؤالٌ مِحوريّ لأنه إذا لم تُعرف مواصفات البديل إستحالت تسميته. أما السؤال الثاني فيقول: كيف يُصنع البديل؟ ولو إفترضنا أن البديل يصنع عنوة ولا يُخلق بمحض الصدفة كما سنبيّن لاحقاٌ، فإننا إن لم نعلم كيف يُصنع البديل فإن هذا سيعني بالضرورة إنعدام البديل. ولو علِمنا نظريّاً كيف يُخلق البديل فهل سنرى من حولنا تطبيقاً عمليّاً لهذا العِلم بحيث يُمكن إستنتاج إمكانيّة وجود بديل؟

البديل وعِلم الإحتمالات
كنا قد أسلفنا أن هناك فكرين سائدين في مجمل محاولات الإجابة على سؤال البديل وهما التفاؤل والإنكار. يؤمن أصحاب فرضيّة الإنكار بأن البديل "يولد" ولادة طبيعيّة - أو قيصريّة! - فيصبح البديلُ بديلاً بمحض خروجه من رحم أمّه و بمحض سِعته العقليّة التي تحكمها قوانين عِلم الوراثة. وتقول هذه الفرضيّة بأن إحتمال ولادة بديل في أي بلدٍ تساوي إحتمال ولادة بديل في أي بلدٍ آخر، وبالتالي فإن نسبة البدائل مقابل عدد السكان  في السودان ينبغي بالضرورة أن تضاهي نسبة البدائل في "أوروبا والدول المُتقدّمة". و في إعتقادي أن قصور هذه الفرضيّة يكمن في تهميشها الدور المفصليّ للبيئة والثقافة في تفريخ البدائل.

الخط الأحمر الرفيع
هنالك فرق دقيق في الشكل وعظيم في المُحتوى بين التفاؤل والتوهّم، وهما في ذلك كمثل الماء والسراب. فالتّفاؤل يُبنى على قواعد الدراسة والتخطيط السليم والعمل الجاد، ومن ثمّ يكون التوكّل على الله والتفاؤل بالخير. أمّا التوهّم فهو رجاء أن يحدث شئ من لا شئ، وتمنّي مُعجزة قد تكون أو قد لا تكون، وهذا يبدو لي أن يكون أقربَ إلى التواكل منه إلى التوكّل. و كما رسمنا الخط الرفيع بين التفاؤل والتوهّم يمكننا أيضاً أن نرسم خطاً مُشابها بين الإنكار ورفض الواقع.

خير البِرّ عاجله
يبدوا لي مما أسلفنا أن وجود البديل مشروطٌ بخلق البديل، وأن خلق البديل يُعطلّه توهّم وجود البديل وإنكار دور المجتمع في صناعته. يترتب على ذلك أنه كلما سارعنا بقبول واقع فقر البدائل كلّمنا سارعنا بالبدأ في صُنعها و قرّبنا ساعة نضجها. حينئذن، يصبح الجواب على سؤال البديل بديهيّاً. أمّا السؤالين الضِمنيّين عن مواصفات البديل وكيفيّة صناعته ففيهما حديثٌ آخر.

ملحوظه: يمكنكم مشاهدة الفيلم الكرتوني عن سؤال البديل على صفحة ترتار في يوتيوب عن طريق الضغظ  هنا. نقول لأصحاب العمل: وفّقكم الله وإلى الأمام.

متعلقات:
إعلان وظيفة ٢: مواصفات البديل
إعلان وظيفة ٣: كيف يصنع البديل 

6 comments:

  1. As a sudanese, I am of course naturally an expert in politrick!!

    All kidding aside, I agree that this simple question has more dimensions to it than meets the eye.
    After watching that video by Tartar group, it made me think that Sudanese politics indeed are analogous to the popular sudanese game "konkan". The deck of cards is like the pool of candidates for leadership and player is the people.
    At some point during the game, the player may want to change the hand's card combinations. However that change in hand combination can only occur if the "better cards" are still in deck. If the cards needed "عشان تغير القفلة" are not on deck (i.e. have been discarded) then the player can't change his hand combination and is therefore stuck with the hand dealt to him/her.
    Our government system seems to be like a bad card deal that will only change after a reshuffle (revolution) which will only happen if the player(s) is willing to play again.

    Let's hope we are dealt a better hand next time.

    ReplyDelete
    Replies
    1. Interesting Comment. To be honest, I have not spent too much time reflecting on the Cards analogy in the cartoon video. I am sure that there are resemblances and divergences. The problem we get into is that we start thinking for a solution to the problem by using the Konkan rules and then end up winning the cards game but loosing the political game. Off couse I have no idea how to play Konkan so I don't know what I am talking about here! :)

      Delete
    2. You don't know konkan? We need to talk!

      Delete
  2. عثمان لقد سألت عن عظيم!

    أود أولاً أن أسجل إعجابي برد الأخ ابراهيم أعلاه و الذي وافق هوى في نفسي لأني من محبي الكونكان و أتفق معه في أن البدائل المطروحة من القيادات السياسية و النخب القديمة ليست بالحل الأمثل للمشكلة.

    انتظار البديل للقيام بالتغيير يعني إطالةعمر الأزمة، فالظروف الماثلة لا تساعد على إبراز أي شخصيات أو كيانات فاعلة ، و حتى إن وجدت فإنها لن تتمكن من الوصول إلى الشعب السوداني و طرح رؤيتها و برامجها الإصلاحية.

    صراحة لا أرى -على المدى القريب - أي ضوء في آخر النفق لأن ما يفرق السودانيين أكثر مما يجمعهم (حقيقة صادمة لكنها واقع على الأقل حاليا) و بالتالي حتى إذا تم التغيير عن طريق ثورة شعبية فإن عاقبتها ستكون و خيمة جدا. و لك في مصر و ليبيا أسوة سيئة.

    الأمل الوحيد-برأيي - هو في إصلاح مجتمعي يقوده الشباب الواعي ، حين يتفق الشباب على الحد المعقول من أهدافهم و تجتمع رؤيتهم للنهوض بالسودان و ينعتقوا من التبعية و الانقياد لمن أورثونا وطنا مأزوما و مقسما منذ الاستقلال و حتى الآن، حينهاستكون لهم الكلمة فهم الغالبية و الأكثر عددا و فوق ذلك كله هم أكبر المتضررين من الوضع الحالي.

    ReplyDelete
    Replies
    1. Hammam, excuse me for replying in English. I will try to translate and publish later.

      I thought my post was pessimistic until I read your comment! I do not think we need to wait for a whole new generation to start cranking out substitutes. I believe that there are individuals who have the raw material to lead. But they will only step up when they realize that there are no other subs. Off couse those raw prospectives will have to be polished through working in the community and gaining experience by throwing themselves in the mud of politics. Most activists now believe that they should not play the game with the current rules but rather wait until the rules are changed..whenever that maybe. I would have liked Girifna and the other activists actually engage in politics by either supporting a candidate and a party that they believe can bring about change, or start their own party with their own vision so that they can provide an answer rather than keep giving the people more questions.

      Delete
    2. You are 100% correct Osman. We need grass root movements. That is the only way, I think, to bring about change. Hammam is right in that the youth need to be leading the change. The NCP is, in a way, a grass root movement. They have the organisation to get things done. The substitute must be at least just as organised if not more.

      Delete