Wednesday, March 28, 2012

حوّاشة الرئيس وهليكوبتر المواطن

عوّدنا ولاةُ أمرنا في السودان أن يطلّوا علينا بين الحين والآخر بتصريحات أقرب ما يمكن وصفها به أنها من شر البليّةِ المُضحك. كان من مِثل هذا ما صرّح به السيّد رئيس الجمهوريّه عمر البشير في معرض ردّه على منتقدي أداء الحكومة في معالجة إشكالات الإقتصاد و تردي ظروف المعيشة، فخاطبهم متسائلاً:"المويه قطعت؟ الكهربا قطعت؟ الناس ما لقت الرغيف أو البنزين أو السّكر؟" و زاد:"الأزمه وينها و قاعده وين؟". وفي سياقٍ آخر حث السيد الرئيس الشباب على العمل بالزراعة وعلّل قائلاً:"حواشتي بتدخِّل لي أضعاف ماهية رئاسة الجمهورية".


إن حسن الظن بنوايا الآخرين هو من حسن الخُلُق. قال تعالى: إن بعض الظن إثم. و من هذا المُنطلق فإنه يشقّ علينا التشكيك بنوايا السيّد الرئيس فلا يعلم النوايا إلى الله. ولكن في المُقابل فإنه يجوز لنا أن نجتهد في تعليل تصريحاته على ضوء نظريّة الخطأ الإساسي للإسناد (Fundamental Attribution Error). تقول هذه النظريّه بأنه للحُكم على فعل شخص ما - بغرض التقويم وليس القدح - ينغي أن يُؤخذ بعين الإعتبار البيئة المحيطة بصاحب الفعل والظروف القائمة وقت وقوع الفعل..أو باللغه العربيّة: إذا عُرِف السبب بطُل العجب. 


لقد جلس السيّد الرئيس على كرسيّ الحُكم مدّة ثلاثةٍ وعشرون عاماً، أي أنّ ذكرياته عن حقبةِ ما قبل السلطة لا تتعدّى أن تكون صوراً باهته قد نال الزمن من تفاصيلها. أمّا العقدين الأخيرين فقد قضاهُما السيّد الرئيس بين القصر الجمهوريّ و رئاسة مجلس الوزراء وقصور الضيافة في الخارج وبيوت الوزراء وصالونات وجاهات المجتمع. و يتوصّل بين هذا وذلك وأولئك وتلك بالفارهات من سيّارات وطائرات الرئاسه عموديّة كانت أو نفّاثه. وليس بالضرورة أن يكون في هذا إشكال فالواقع لا يرجّح أن يمتطي رئيس الجمهوريّه ركشةً أو أن ينام على حصيرِ يابس. ولكن الإشكال في طول المدّة التي يقضيها ولي الأمر في هذا المناخ المعزول.


ولو حاولنا الربط بين تصريحات الرئيس و بين محيطه لرأينا مكمن العِلّة بوضوح. لا يشك أحد في ديمومة التيّار الكهربائي في القصر الجمهوريّ كما لا أنه لا خلاف حول جودة الماء الذي يشربه قاطنوا المساكن الرئاسيّه، ولم نسمع أن رحلةً رئاسيّه قد ألغيت لأن "الريّس ما عنده حق بنزين الهليكوبتر". بإعتقادي أن إستغراب الرئيس وجود أزمة إقتصاديّة مردّه أن الواقع الذي يعيشه هو غريب عن واقع السواد الأعظم الذي يعيش خارج جدران مؤسسة الرئاسة.


ليس في ما أسلفت جديد، فلقد أدركت كثير من الدول منذ زمن بعيد أن هناك آثار سالبة تترتب على منح السلطه لشخص أو جماعه لآماد طويله، و لذلك حُدّدت عدد دورات الرئاسه من أجل تعزيز المُؤسسيّه وتحجيم التباعُد بين وليّ الأمر وواقع الرعيّة في الشارع. وربما يكون إعلان السيّد الرئيس إعتزاله السياسه بعد إنتهاء مدّته الحاليّه خطوّه في الإتّجاه السليم، إلّا أن عامين آخرين من إغراق المواطن بالكهرباء المُستدامه الرخيصه و المياه الصافيّه قد يؤديّان الى خراب طبع الناس!   

6 comments:

  1. You don't think the president is actually quite aware that there's a crisis and he's just being defensive? or rather "ja3ali"

    ReplyDelete
    Replies
    1. Ibraheem, he is ja3ali alright...but "What I think" does not matter if I cannot prove it beyond reasonable dought. I cannot prove or disprove the presidnet's intentions, but I can prove that his life-style is alittle bit more comfortable than the average Sudanese layman. Hence, his grip on reality can be rightfully questioned.

      Delete
    2. I agree with what you think, nevertheless, he's a "shepherd" in every means and he should abide by the prophet (PBUH) guidance. The fact that he has no grib on reality is reason enough for him to call it quits.

      Delete