Friday, March 9, 2012

السودان والثورة: حوار بين قلبٍ شجاع و عقلٍ متأني


أضاف ربيع العرب خياراً لم يكن متاحاً للمواطن العربي ضمن الإجابات المحتملة لمشكلاته التي تبدأ بالقهر والإستبداد ولا تنتهي بالفساد وإنعدام الفرص. دار في السودان حوارٌ بين قلبٍ شجاع وعقلٍ متأني عن الثوره: معناها ومغزاها، وعن إسقاط النضام: إستحقاقاته وشروطه، وعن التغيير: منهاجه وأهدافه.
إبتدأ القلب الشجاع الحديث قائلاً: إعلم أيها العقلُ أن التغيير قادمٌ سواء أشئنا أو أبينا، فالتغيّر سُنّة الحياة والتبدّل هو الثابت الوحيد في معادلة الأحداث. وينبني على ذلك أن رفض التغيير ومقاومته هما نشوزٌ عن طبيعة الأشياء وإنحيازٌ إلى الطرف الخاسر من التاريخ.
تأمل العقل في ما سمع ثم قال: تيَقّن عزيزي القلب أن قناعتي بوجوبِ التغيير لا تشوبها شائبه، و ليس الخلاف في هذا. إنما الخلاف في وسائل التغيير والطرقِ الموصلةِ إليه. لو كنت تريد إدراك التغيير عن طريقِ تدوير دولاب الحظِ ورجاء أن يستقر سهمهُ على أحسن مما كان عليه، فهذا قِمارٌ محلّه برامجُ المسابقاتِ ونقاط بيع اليانصيب. إن مصير الأمة أجَلُّ من أن يُترك للحظ أن يرفعه أو يحُطّه.
قال القلب: لقد بلغ الحال مبلغاً لاتطاق معه حياه. وضاق على الناس عيشهم حتى أُكرِهوا على أكل الحرام فأحلّه الله لهم، وضعفت الأمة حتى صارت الوحدة طاردة، وهُمِّش الضعفاء حتى غدت الحرب جاذبة فتمزّقت أطراف الوطن، واشتهت الأنفس الخبر الحسن فلم تسمع إلا ما يُحزن ويُغِم. إن الجوع يعطّل التفكير السليم ويسلب العقل إبداعه وإلهامه. ولهذا كله وجب التّحرك في التو واللحظه.
قال العقل: لكل حالٍ سئ حالٌ أنكى منه، والشر درجات كما أن نار جهنّم درجات. وأذكر أن أهل الصومال لمّا أرادوا إسقاط نظامٍ فاسد، صعدوا من أسفل بئرٍ عميق ليسقطوا في غياهب بئرٍ أعمق و أشدّ حُلكه. ذلك لأنهم لم يعدوا العدّة و لم يؤسسوا فكرياً و معنوياً لملأ الفراغ ودفع التغيير في الإتجاه المرجو.
قال القلب: ليس من العدل أن نذكر مثل الصومال دون أمثال تونس ومصر وليبيا واليمن. لقد أثبت التونسيّون بياتاً وعملاً أن الثورة العفوية تكون في أغلب الأحيان الدواء الناجع والجواب القاطع لمعضلات الظلم والفساد والفشل. وأمّا مصر وليبيا واليمن فنصيبهم لن يقل توفيقاً عن نصيب تونس بإذن الله.
قال العقل: لو سلّمنا أن مثال الصومال مُجحفٌ ومتطرِّف وأنه إحتمالٌ بعيد الوقوع، فإن مثل تونس، الذي هو ضد مثل الصومال، هو أيضاً بعيدٌ عن واقع السودان. فتونس كانت منذ ما قبل الثوره تتمتّع بمعدلات تنميةٍ بشريّةٍ مرتفعه، وفيها من الكوادر البشريةِ ما يكفي لملأ فراغ ما بعد الثورة. كما أن المجتمع التونسي مجتمع مدنيٌّ متجانس. أمّا السودان فمشكلاته لا تبدأ بمعدلات الأمّية المرتفعه و لا تنتهي بالشروخ القبلية والعرقية في النسيج الإجتماعيّ. إن حاضر السودان اليوم يرسم صورة واضحة عن المصير الذي ستؤول إليه ثورة غير مؤسسه فيه. وأذكّرك بأحداث عامي 64 و 84.
قال القلب: لو إفترضنا أن بعض المحاولات قد فشلت في الماضي، هل يضطرّنا هذا إلى الرضوخ في الحاضر والمستقبل؟ إن فشل الثورة في الأمس لا يعيبني اليوم ولا يعيب الثورة كمبدأ ولكن يعيبُ الذين قاموا عليها والذين فرّطوا فيها ، فلا تزِرُ وازِرة وزر أخرى. وبالتالي فإن إخفاق من كان قبلي لا يجب أن يثنيني عن السّعي لتصحيح الخطأ و تقويم المَيلان. ثُم إن لكل مقامٍ مقال ولكل زمانٍ مِنهاج. إن القُعود لن يغيّر الأوضاع، وأحتجّ لكلامي هذا بقانون نيوتن الأول للحركة الذي يقول بأن الجسم الساكن يبقى ساكناً ما لم تؤثِّر عليه قوة خارجية تغيّر وضعه.
قال العقل: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين. إن معنى هذا الأثر أن الإنسان لا يسلّم للفشل ولكن يأخذ منه الحكمة والعبرة فينهض بعده أقوى وأذكى. لقد كان في فشل الثورات السابقة من الدروس والعِبر ما يملأ رفوف المكتبات ويرضي عقول طالبي العلم والحكمة. وإن من السذاجة والرُعونة أن يهمل الواحد منا هذه الخبرات ثُمّ يتسلح بغيرها من الحماس المفرط والوطنيّة العمياء.
قال القلب: لو نظرنا إلى مصر وليبيا واليمن لرأينا أن الشعب أسقط النظام بمحض الحماس الإرتجاليّ فبذل دماء الشباب ودموع الأمهات في سبيل التّحرُّر. فما كان إلا وأن إندحرت أعتى أجهزة الأمن وأشدّها شراسة فانهارت وتبعثرت كأن لم تكون، فتحوّل بذلك الموت إلى حياة والتضحية إلى مكسب وإستعاد الإنسان مع النصر ثقته في نفسه وأسقط عن ظهره حمل الخوف والإذعان لكي يعود شجاعاً كريماً أمام نفسه وأمام الناس.
قال العقل: الحق يقال أن إنتصار الشعوب على جلّاديها فيه ما فيه من إلهام للمشاعر ورفعٍ للهمم. لكن إسقاط النظام هو في معناه الأعمق إسقاط المجتمع لشرور نفسه ورفع قيم الخير وتعزيزها فيه. إن الأنظمة السياسية هي في أغلب الأحيان مرآة تعكس حال المجتمع وبيئته. ففساد النظام الحاكم وقصوره هما عرض من أعراض مرض المجتمع، وبالتالي فإن إسقاط النظام السِياسي دون الإنقلاب على آفات المجتمع لن يعدوا أن يكون مسكّناً وقتياً يزول مفعوله عند جفاف دموع نشوة الإنتصار.
قال القلب: إن الحديث أيسر من الفعل، وإن التخطيط والتكتيك أهون من التطبيق والتنفيذ. يقدح حِجّتك أمران. أولّهما أن المجتمعات ترفض وتمانع إصلاح نفسها ومفارقة ما إلتصق بها من سوء الطباع والعادات. كما أنك تعلم كما أعلم أن الواحد مِنّا إذا أعمَل عقله لنقد الفاسد من مُسلّمات مجتمعه نبذه المجتمع وتبرأ منه. وبالمقابل فإن من اليسير نسبيّاً إسقاط رمز نظام أو بعض رموز نظام ومن ثمّ رفع رايات النصر ولو كان هذا النصر مؤقّتاَ أو زائفاً.
قال العقل: إعلم أيّها القلب أن كل إنجازٍ عظيم لا يتأتّى إلا ببذل وقتٍ وجهدٍ عظيمين. وإن الجنوح إلى الحل السهل السريع لن يجني إلّا الإحباط والشك في المدى البعيد. وتذكّر أن النيّة والإجتهاد هما بيد الإنسان وملك إرادته. وأمّا عاقبة الأمور ومآلها فهي بيد الله وحده. فالإعتقاد الصحيح في نظري أن التغيير عملٌ شامل يبدأ من الجذور ومن ثمّ يمتدّ ليغذّي الفروع، وأن التغيير مثله كمثل البناء يبدأ من قواعد منيعة راسخة في الأرض.
قال القلب: وأمّا المأخذ الثاني على كلامك كونه أكاديميّ السرد فلسفي المحتوى هلاميّ المصطلحات، فلا نعلم المقصود بالجذور والقواعد والبناء فيما يخصّ موضوع النقاش. إن الحديث الفضفاض لا يسمن من جوع عندما يحين وقت التخطيط والتصميم والتنفيذ.
قال العقل: نقصد بالجذور عناصر المجتمع الناشطة والتي تتمثّل في منظمات المجتمع المدنّي وأصوات العدالة الإجتماعيّة ومحركوا العمل التوعوي والخيري. هذه الشريحة شُبّهت بالجذور لأنها المُغذّي للأجيال القادمة من قادة وجنود، ومِدادها فكر الديموقراطيّة ومقاصد الشريعة السامية التي تهدف في الأساس إلى حفظ النفس والعقل والأمن والحريّات ونشر العدل و حفظ حقوق الاقليات وتقوية النسيج الإجتماعيّ. وأما القواعد فهي كلية المجتمع التي تقوم على الشجاعة الأدبيّة وتقدير الفكر وإحترام الرأي الآخر وإعمال العِلم فوق العاطفة وميول النفس. وأمّا البناء فهو ثمرة الإعداد الجيّد والتخطيط السليم.
قال القلب: وماذا عن عيون النظام وجواسيسه؟ وماذا عن وزارات الإعلام التي تحجب كل من يريد إعلام الناس بما ينفعهم؟ ثمّ ماذا عن هيئات الرقابة التي تضرب بيدٍ من حديد كل من سوّلت له نفسه أن ينطق بكلمةِ حق؟ كيف يكون التثقيف والتعليم والسجون تعجّ بكل من أراد العمل لصالح أهله و ناسه؟
قال العقل: هذا كلامٌ صحيح لا ينكره إّلا مُكابر، ولكنه ينظر للماضي والحاضر فقط ولا يدرك المستقبل. لو نظرت إلى الأفق فستجد أن قيم النهوض بالمجتمع وتغييره لن تتناطح مع النظام لتسقطه وقتيّاً وجزئيّاً، ولكنّها ستتوغّل في أعضاءه وتحل محلّه نواةً بنواة وذرّةً بذّره وخليّةً بخليّه حتّى تستهلكه أبديّاً وكلّياً. لو عمل كل وليّ أمر على تقويم عهدته من الأجيال القادمة في البيت أو المدرسة أو الحي أو مرفق العمل الطوعي فإن النتيجة الحتميّة هي إحداثُ عملية إحلال مستدامه غير قابله للتعطيل.
قال القلب: اللهم أرنا الحق حقاُ وارزقنا إتّباعه.
قال العقل: آمين يا رب العالمين.

4 comments:

  1. You have hit the nail on the head, Osman. Just last night I was speaking with my father and I mentioned to him that most of these revolutions in the middle east will not produce fruit anytime soon. And the only way to a sustainable socioeconomic development is through an "Arab Renaissance". Changing the system at the top is like paddling upstream.

    ReplyDelete
    Replies
    1. عزيزي عثمان ، أشكرك على هذا العصف الذهني المفيد، و هو عين ما يتناقله الناس و يتحدثون عنه في مجالسهم منذ بدأ "الربيع" العربي. عن نفسي، تجدني أميل لخيار العقل ، التغيير قادم حتماً و لكن حينما تكتمل الظروف المناسبة حتى يكون تغييرا حقيقيا و ليس مجرد خطوة أخرى في طريق الفوضى الخلاقة و الشرق الأوسط الجديد!

      Delete
  2. The post is well written, Osman, it covers almost all of the issues and challenges that are currently facing the OMMA, and particularly our people in Sudan.

    I have a comment on the sentence "قال القلب: لقد بلغ الحال مبلغاً لاتطاق معه حياه. وضاق على الناس عيشهم حتى أُكرِهوا على أكل الحرام فأحلّه الله لهم", as Allah did not make an unlawful things
    lawful, it is an act of the people themselves, or maybe I miss understood what you are trying to say.

    ReplyDelete
  3. حوار مفيد ومقال اكثر من رائع..واصل

    ReplyDelete